فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 260

قال سبحانه (وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ) ، وهنا (وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ) تكون اللام هذه -مع أنها واحدة-؛ لكن لكي يكون معناها رجوعها للأول غير معناها في رجوعها للمحيى والممات، فإن الله جل وعلا قال في هذه الآية من آخر سورة الأنعام (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ) المحيى والممات يعني الإحياء والإماتة وهذه بيد الله جل وعلا ولله مِلكا فهو الذي يملكها سبحانه لأنها من أفراد ربوبيته جل وعلا على خلقه.

فهذه الآية بما اشتملت عليه من هذه الألفاظ الأربع دلت على توحيد الإلهية وعلى توحيد لربوبية؛ (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) هذا توحيد الإلهية, (وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي) هذا توحيد الربوبية لله, اللام إذا أرجعتها للأوليين الصلاة والنسك صار معناها الاستحقاق، وإذا أرجعتها للأخير صار معناها المِلك، ولهذا يقول أهل التفسير هنا (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) لله استحقاقا، (وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي) لله ملكا وتدبيرا وتصرفا.

قال (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) لَا شَرِيكَ لَهُ) وهذا وجه استدلال ثالث بحيث قال (لَا شَرِيكَ لَهُ) يعني في ما مر؛ لا شريك له في الصلاة والنسك فلا يتوجه بالصلاة والنسك إلى أحد مع الله جل وعلا أو من دونه، وكذلك لاشريك له في الملك في المحيى والممات؛ بل هو المتفرد سبحانه بأنواع الجلال وأنواع الكمال وهو المستحق للعبادة وهو ذو الملكوت الأعظم.

قال (وقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] ) قال (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فأمر بالصلاة وأمر بالنحر، وإذا أمر به فهو داخل في حد العبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والصلاة أمر بها الله جل وعلا وهي محبوبة لديه إذن، والنحر أمر الله جل وعلا به فهو محبوب ومرضي له إذن، فيكون إذن النحر عبادة لله جل وعلا، وفي التعريف الآخر أنّ العبادة هي كل ما يتقرب به العبد جل وعلا ممتثلا به الأمر والنهي، صادق على هذا؛ لأن النحر يعمل تقربا إلى الله جل وعلا بامتثال الأمر والنهي.

قال سبحانه {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1] ، (الْكَوْثَرَ) هو الخير العظيم الذي منه النهر الذي في الجنة, (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) الفاء هذه سببية؛ يعني بسبب ذلك أشكر الله جل وعلا بتوحيده بأن صلّ إلى ربك الذي أعطاك ذلك الخير الكثير وتقرب إليه بالنحر وبنَسك النسائك لله سبحانه؛ لأن الخير إنما أسداه جل وعلا وحده.

إذن وجه الدلالة من هذه الآية على هذا الباب أن النحر عبادة وقد قال الله جل الله وعلا (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) يعني وانحر لربك، فصار النحر لغير الله والذبح لغير الله خارج عمّا أمر الله به، فهو إذا صرف للعبادة لغير الله جل وعلا.

قال رحمه الله (عن علي - رضي الله عنه -، قال: حَدّثَنِي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِأَرْبَعٍ كَلِمَاتٍ «لَعَنَ اللّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللّهِ. لَعَنَ اللّهُ مَنْ آوَىَ مُحْدِثاً. لَعَنَ اللّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ. لَعَنَ اللّهُ مَنْ غَيّرَ الْمَنَارَ.» رواه مسلم) الشاهد من هذا قوله (لَعَنَ اللّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللّهِ) وهذا وعيد يدل على أن الذابح لغير الله ملعون، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله جل وعلا، فإذا كان الله هو الذي لعن فيكون قد طرد وأبعد من رحمة الله الخاصة, يكون جل وعلا قد طرد وأبعد هذا الملعون من رحمته جل وعلا الخاصة، أمّا الرحمة العامة فهي تشمل المسلم والكافر وجميع أصناف الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت