فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 260

وإن كان دعاءٌ باللعن عليه (لَعَنَ اللّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللّهِ) كأن النبي عليه الصلاة والسلام قال داعيا على من ذبح لغير الله جل وعلا باللعن وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله جل وعلا، هذا يدل على أن الذبح لغير الله من الكبائر، ومن المعلوم اقتران ذنب من الذنوب باللعن يدل على أنه من الكبائر من كبائر الذنوب، وهذا ظاهر من جهة أن الذبح لغير شرك بالله عز وجل يستحق صاحبه اللعنة والطرد و الإبعاد من رحمة الله جل وعلا.

فقوله (لَعَنَ اللّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللّهِ) , اللام هذه يعني من أجل غير الله تقربا إليه وتعظيما، فذبح لغير الله تقربا إلى ذلك الغير وتعظيما إلى ذلك الغير, وهذا وجه مناسبة هذا الحديث لباب ما جاء في الذبح لغير الله يعني من الوعيد وأنه شرك ومن الوعيد أن صاحبه ملعون.

الحديث الآخر قال (وعن طارق بن شهاب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب» قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقربه. قالوا له: قرب ولو ذباباً. فقرب ذباباً، فخلوا سبيله، فدخل النار. فقالوا للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله عز وجل. فضربوا عنقه، فدخل الجنة» رواه أحمد) وجه الدلالة من هذا الحديث أن التقريب للصنم بالذبح كان سببا لدخول النار، وذلك من حيث ظاهر المعنى أن من فعله كان مسلما فدخل النار بسبب ما فعل وهذا يدل على أن الذبح لغير الله شرك بالله جل وعلا-شرك أكبر-؛ لأن ظاهر قوله دخل النار يعني استوجبها مع من يخلد فيها.

ووجه الدلالة أيضا أن تقريب هذا الذي لا قيمة له -وهو الذباب- يدل على أن من قرَّب ما هو أبلغ وأعظم منفعة وأعظم عند أهله وأغلى أنه سبب أعظم لدخول النار, وقوله هنا (قرِّب) يعني اذبح تقربا، والْحَظْ هنا أنهم لم يكرهوهم بالفعل، فالحديث لم يدلَّ على أنهم أُكرهوا؛ لأنه قال (مرَّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرّب له شيئا) , فظاهر قوله (لا يجوزه أحد) يعني أنهم لا يأذنون لأحد بمجاوزته عند ذلك الطريق حتى يقرب وهذا ليس إكراها إذ يمكن أن يقول سأرجع من حيث أتيت، ولا يجوز ذلك الموضع ويتخلص من ذلك.

وهذا يدل على أن الإكراه بالفعل لم يحصل من أولئك [1] فلا يدخل هذا في قوله {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل:106] ؛ لأنه ليس في الحديث دلالة -كما هو ظاهر- على حصول الإكراه وإنما قال (مرَّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرّب له شيئا) ، (لا يجوزه أحد) ما صفة عدم السماح بعدم المجاوزة؟ هل هو أنه لا يجوزه حتى يقتل أو يقرب؟ أو لا يجوزه حتى يقرب أو يرجع؟

بعض العلماء استظهر من قوله في آخر الحديث من قتلهم لأحد الرجلين: أنه لا يجوزه حتى يُقتل، وأن هذا عُلم بالسياق، فصار ذلك نوع إكراه. فلهذا استشكلوا كون هذا الحديث دالا على أنّ من فعل هذا الفعل يدخل النار مع أنه مكره.

والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا الحديث على هذا القول -وهو أنه حصل منهم الإكراه بالقتل- أن هذا الحديث فيمن كان قبلنا، ورفع الإكراه أو جواز قول كلمة الكفر أو عمل الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان هذا خاص بهذه الأمة, هذا أجاب به بعض أهل العلم.

والثاني وهو ما قدمتُ: أنّ السياق ليس بمتعين على أنهم هددوه بالقتل، وإذا كان غير متعين بأنهم هددوه بالقتل فإنه لا يُحمل على شيء مجمل لم يُعيَّن، ودلالة قوله هنا (فضربوا عنقه) يعني فيمن لم يقرب فدخل الجنة ربما لأنه أهان صنمهم بقوله (ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل) .

لهذا لاستشكل هذا الحديث طائفة من أهل العلم وهو بحمد الله ليس فيه إشكال؛ لأنه:

· إمّا أن يُحمل على أنه كان فيمن كان قبلنا فلا وجه إذا لدخول الإكراه.

· أو يُحمل على أنهم لم يكرهوه حين أراد المجاوزة ولكن قتلوه لأجل قوله (لم أكن لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل) .

إذن هذا الباب وهو قوله (باب ما جاء في الذبح لغير الله) ظاهر في الدلالة على أن التقرب لغير الله جل وعلا بالذبح أنه شرك بالله جل وعلا في العبادة، فمن ذبح لغير الله تقربا وتعظيما فهو مشرك الشرك الأكبر المخرج من الملة.

[الأسئلة]

[س/ وهذا يقول: يقول: أهلي يذبح الذبيحة يوزعها على المساكين لدفع البلاء فهل تجوز تلك النية؟

ج/ هذا فيه تفصيل: ذلك أن ذبح الذبائح إذا كان:

من جهة الصدقة ولم يكن لدفع شيء متوقَّع أو لرفع شيء حاصل ولكن من جهة الصدقة وإطعام الفقراء، فهذا لا بأس به، داخل في عموم الأدلة التي فيها الحض على الإطعام وفضيلة إطعام المساكين.

وأما إن كان الذبح؛ لأن بالبيت مريضا فيذبح لأجل أن يرتفع ما بالمريض من أذى، فهذا لا يجوز ويحرم. قال العلماء: سدا للذريعة. ذلك لأنّ كثيرين يذبحون حين يكون بهم مرض لظنهم أن المرض كان بسبب الجن أو كان بسبب مؤْذ من المؤْذين، إذا ذبح الذبيحة وأراق الدم فإنه يندفع شره أو يرتفع ما أحدث، وهذا لا شك أنه اعتقاد محرم ولا يجوز.

والذبيحة لرفع المرض والصدقة بها عن المريض. قال العلماء: هي حرام ولا تجوز سدا للذريعة، وللشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق رسالة خاصة في الذبح للمريض.

كذلك إذا كان الذبح لدفع أذى متوقع مثلا كان بالبلد داء معين فذبح لدفع هذا الداء، أو كان في الجهات التي حول البيت ثَمَّ شيء يؤذي، فيذبح ليندفع ذلك المؤذي؛ إما لص مثلا يتسلط على البيوت، أو أذى يأتي

(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الخامس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت