فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 260

حقيقة عمله بأن يخبر عن الأمور المغيبة إلا باستخدام الجن، والتقرب إلى الجن التقربات الشركية؛ فتستمتع الجن به من جهة ما صرف لها من العبادة، ويستمتع هو بالجن من جهة ما يخبره به الجن من الأمور المغيبة.

والجن تصل إلى الأمور المغيبة التي تَصْدق فيها عن طريق استراق السمع، فإن بعضهم يركب بعضا حتى يسمعوا الوحي الذي يوحيه الله جل وعلا في السماء، فربما أدرك الشهاب الجني قبل أن يعطي الكلمة لمن تحته، وربما أدرك الشهاب الجني بعد أن ألقى الكلمة فتأتي هذه الكلمة للجن فيعطونها الكاهن فيكذب معها الكاهن أو تكذب معها الجن مائة كذبة حتى يعظم شأن الكاهن وتعظم عبادة الإنس للجن.

وقبل بعثه النبي عليه الصلاة والسلام كان استراق السمع كثيرا جدا، وبعد بعثته عليه الصلاة والسلام حُرست السماء من أن تسترق الجن السمع؛ لأجل تنزل القرآن والوحي حتى لا يقع الاشتباه في أصل الوحي والنبوّة، وبعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام يقع الاستراق؛ ولكنه قليل بالنسبة لما كان عليه قبل البعثة.

فصارت عندنا أحوال استراق السمع ثلاثة:

-قبل البعثة كثير جدا.

-وبعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام لم يحصل استراق من الجن، وإن حصل فهو نادر في غير وحي الله جل وعلا بكتابه لنبيه.

-والحالة الثالثة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام رجع استراق السمع أيضا؛ ولكنه ليس بالكثرة التي كانت قبل ذلك لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا.

والله جل وعلا بين ذلك في القرآن في آيات كثيرة من أن النجوم والشهب ترمي الجن كما قال جل وعلا {إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر:18] ونحو ذلك من الآيات التي فيها أن الشهب مُرْصَدَةٌ للجن.

تبينت لك حقيقة الكاهن، إذا ظهر ذلك فالكاهن قد يطلق عليه العراف، وهذا الاسم الكاهن أو العراف اسمان متداخلان، قد يكون أحدهما يدل على الآخر، وعند بعض الناس أو في بعض الفئات يُستخدم الكاهن للإخبار بما يحصل في المستقبل، ويُستخدم كلمة أو لفظ العراف لمن يُخبر عن الغائب عن الأعين مما حصل في الماضي ممثل مكان المسروق أو السارق من هو ونحو ذلك مما هو غائب عن الأنظار، وإنما يعلمه العراف بواسطة الجن.

والصحيح في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أن العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمّال ونحوهم، ممن يتكلمون في معرفة الأمور بتلك الطرق، من تكلم بمعرفة الأمور المغيبة إما الماضية أو المستقبلة بتلك الطرق -طريق التنجيم، أو طريق الخط في الرمل، أو طريق الطرق على الحصى، أو الخط في الرمل بطريق الطرق، أو بالودع أو نحو ذلك من الأساليب أو بالخشبة المكتوب عليها أبا جاد، ونحو ذلك من قراءة الفنجان أو قراءة الكف- كل من يخبر عن الأمور المغيبة بشيء يجعله وسيلة لمعرفة الأمور المغيبة يسمى كاهنا ويسمى عرّافا؛ لأنه لا يحصل له أمرُه إلا بنوع من أنواع الكهانة. وسيأتي ذلك إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت