والذي أريد أن تكتبه في هذا المنتخب أو الكراسة أن تعتني فيه بكتابة التعاريف أو الضوابط؛ لأن العلم نصفه في التعاريف والضوابط، وأن تعتني فيها بذكر القيود، إذا سمعت قيدا في مسألة فإن القيد أهميته كأهمية أصل المسألة؛ لأنه بدون فهم القيد يكون تصور أصل المسألة غير جيد؛ بل قد يكون خطأَََََََ فتنزلها في غير منزلتها.
أو التقاسيم، تجد في بعض كتب أهل العلم مثلا قول بأن هذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أو هذه الصورة لها ثلاثة حالات، بها خمس حالات، لها حالتان وكلّ حالة تنقسم إلى حالتين، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: العلم إدراكه في إدراك التقاسيم.
فذهنُك من الحسن؛ بل من المتأكد أن تعوِّده على ضبط التعاريف، ضبط القيود على إدراك التقسيمات، إذا رأيت في كلام بعض أهل العلم أن هذه تنقسم إلى كذا وكذا فمن المهم أن تسجل ذلك وأن تدرسه أو تتحفظه، لأن في التقسيمات ما يجلو المسألة، وبدون التقاسيم تدخل بعض الصور في بعض، وتدخل بعض المسائل في بعض، أما إذا قُسِّمت فإن في التقسيم ما يوضح أصل المسألة؛ لأن لكل حالة قسما.
وأيضا من المهمات لك في مسيرك في طلب العلم فيما تقيده أن يكون لك تقييم بعد كل فترة من الزمن فيما كتبته في تلك الكراسة أو الكراسات، ستجد أنك مثلا بعد مضيّ سنة من طلبك للعلم تستغرب ما كتبته في تلك السنة بعد مدة، لماذا؟ لأنك أول ما كتبت كانت المكتوبات، كانت المسائل جديدة عليك، فكتبت لتحفظ، وبعد أن حفظت ودرست وكررت ما كتبته في هذه الكراسة، صارت واضحة وضوح اسمك لديك، وبالتالي فإن المعلومات تزيد وكلما ازدادت المعلومات بحفظ ما سبق يكون السابق واضحا لديك لست محتاجا لعناء في تناوله من العقل أو الذهن؛ لأنه صار محفوظا متصوّرا بقيوده وبضوابطه.
إذن من المهم أن ترتب نفسك في أن تنتخب مما تقرأ أو مما تسمع أشياء مهمة تتعلق بما ذكرنا إمّا بالتعاريف وإمّا بالتقاسيم أو بالدليل أو بوجه الاستدلال، وهذا يشمل جميع العلوم سواء من ذلك العلوم الصناعية يعني علوم الآلة أو العلوم الأصلية التي هي المقصودة.
حبذا لو تبدأ بهذا من اليوم فتجعل لك منتخبا تنتخب فيه الفوائد ثم تتحفظُها، ثم بعد مدة سترى أنها صارت سهلة ميسورة، فتنتقل إلى غيرها فيجتمع العلم بعد مدة.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يسّر عليه العلم ويسّر عليه العمل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.] [1]
[نفسيّة طالب العلم حين يتلقى الدرس]
[بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فموضوع كلمة هذا اليوم عن نفسية طالب العلم حين يتلقى الدرس، والمستمعون للعلم يختلفون؛ يختلفون من جهة رغبتهم فيما يسمعون، ويختلفون أيضا من جهة استعداداتهم، فليست الرغبات واحدة وليست الاستعدادات واحدة.
فالرغبات مختلفة:
-منهم من يستمع للعلم رغبة في تحصيله، هذا هو الغالب ولله الحمد.
-ومنهم من يستمع للعلم رغبة في تقييم المعلم أو في معرفة مكانته من العلم وحسن تعليمه أو حسن استعداداته للعلوم.
-ومنهم من يأتي مرة ويترك عشر مرات.
هذه وفيه رغبات متنوعة ويهمنا منها من يأتي للعلم رغبة في العلم، فحين يأتي طالب العلم للدرس راغبا في الاستفادة ينبغي أن يكون على نفسية وحالة قلبية خاصة، وحالة عقلية أيضا خاصة.
أمّا الحالة القلبية والنفسية:
(فأن يكون قصده من هذا العلم أن يرفع الجهل عن نفسه، وهذا هو الإخلاص في العلم؛ لأن طلب العلم عبادة، والإخلاص فيه واجب، والإخلاص في العلم بأن ينوي بتعلمه رفع الجهل عن نفسه، وقد سئل الإمام أحمد عن النية في العلم كيف تكون؟ فقال: أن ينوي رفع الجهل عن نفسه.
فإذا كان في طلبه للعلم يروم أن يكون معلما، أو أن يكون داعيا أو أن يكون مؤلفا ونحو ذلك فالنية الصالحة فيه والإخلاص في ذلك يكون بشيئين:
الأول: أن ينوي رفع الجهل عن نفسه.
الثاني: أن ينوي رفع الجهل عن غيره.
فإذا لم ينو أحد هذين، أو لم ينوهما معا، فإنه ليس بصاحب نية صحيحة، فإذا رام أحدنا أن يطلب العلم فلا بد أن يكونا ناويا رفع الجهل عن نفسه، وإذا نوى هذه النية يكون مستحضرا -بالطبع- أن الله جل جلاله خلقه وله عليه أمر ونهي في أصل الأصول ألا وهو حقه جل وعلا: التوحيد، وكذلك في الأمر والنهي في الحلال وفي الحرام، وسبب الإقدام على المنهيات في العقائد، وكذلك في السلوك الجهل، من أسباب ذلك الجهل، ثم أسباب أخرى.
فإذا علم ورفع الجهل عن نفسه، كان عالما بمراد الله جل وعلا، ثم بعد ذلك يستعين الله جل وعلا في امتثال مُرَادَاتِهِ الشرعية هذا أمر نفسي مهم.
(والأمر النفسي الثاني المهم أيضا: أنه حين يتلقى العلم يتلقى وهو واثق من علم المعلم؛ يعني أن يكون في نفسه أن الأصل في المعلم أنه يعلم على الصواب، فإذا دخل وفي نفسه أن المعلم يعلم غلطا أو أن معلوماته مشوشة، أو أنه كذا وكذا مما يضعفه في العلم، فإنه لن يستفيد من ذلك؛ لأنه إذا استمع سيستمع بنفس المُعارض، فسيأتي إذا قال كلمة أخذ يفكر بعدها نصف دقيقة أو دقيقة فيما قال، قال: هذا صحيح وفي اطلاعاته، وقد
(1) ما بين المعكوفتين من الوجه الثاني من الشريط الثاني بعد شرح باب الخوف من الشرك.