لهذا صارت الحجة مع من يجعل التمائم التي من القرآن مما لا يُرخص فيه كابن مسعود وكغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك هو قول عامة أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها المحققون من أصحابه، وعليها المذهب عند المتأخرين.
بقي أن نقول إن في إجازة اتخاذ التمائم من القرآن، إن في تجويزها مفاسد، وفي تجويز اتخاذ التمائم من القرآن أنواع من المنكر:
الأول: أنه إذا اتُّخذت التميمة من القرآن، فإننا إذا رأينا من عليه التميمة فسيشتبه علينا الأمر، هل هذه تميمة شركية أم من القرآن؟ وإذا ورد الاحتمال فإن المنكِر على الشركيات يضعف يقول احتمال أنها من القرآن، فإجازة تعليق التمائم من القرآن فيه إبقاء التمائم الشركية؛ لأن حقيقة التميمة التي تعلَّق أنها تكون مخفية غالبا في جلد، أو في نوع من القماش ونحو ذلك، فإذا رأينا صورة التعليق وقلنا هذا يحتمل أن يكون كذا، فإذا استفصلت منه وقلت له هل هذه تميمة شركية أو من القرآن، معلوم أن صاحب المنكر دائما سيختار أن تكون من القرآن حتى ينجو من الإنكار؛ لأنه يعتقد في هذه؛ يُريد أنه يسلم له تعليقها، فهذا من المفاسد العظيمة؛ أن في إبقائها إبقاء للتمائم الشركية، وفي النهي عنها سد لذريعة الإشراك بالتمائم الشركية، ولو لم يكن إلا هذا لكان كافيا.
الثاني: أن الجهلة من الناس إذا علقوا التمائم من القرآن فإنهم يتعلقون بها؛ يتعلق قلبهم بها، ولا تكون عندهم مجرد أسباب، وإنما تكون عندهم فيها خاصية من الخصائص التي تكون بنفسها يأتي بالشيء أو تدفع الشيء، وهذا الأشياء فتح لباب اعتقادات فاسدة على الناس يجب أيضا وصده، ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بسد الذرائع.
أيضا من المفاسد المتحققة عامة في ذلك أنه إذا علق شيئا من القرآن فإنه يمتهنه، ينام عليه أو يدخل به مواضع قذرة، أو يكون معه في حالات لا يكون من الحسن أن يكون معه قرآن فيها أو آيات، وهذا مما ينبغي اجتنابه وتركه.
إذن لم تتحصل أن تعليق التمائم بالدليل وبالتعليل لا يجوز، فما كان منها من القرآن فنقول يحرم على الصحيح ولا يجوز ويجب إنكاره، وما كان منها من غير القرآن وتعلَّق تمائم عامة فهذا نقول إنه من الشرك بالله لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنّ الرّقَى وَالتّمائمَ وَالتّوَلَةَ شِرْك) ، والتخصيص نوع من العلم يجب أن يكون فيه دليل.
نقف عند هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وقفنا عند قوله (وروى أحمد عن رويفع، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا رُوَيْفع! لعلَّ الحياةَ تَطُولُ بك، فأخبِرِ الناسَ أنَّ مَن عقَد لحيتَه، أو تقلَّد وتراً، أو استنجى برجيع دابَّة أو عظْم، فإن محمداً بريءٌ منه» ) هذا الحديث في باب ما جاء في الرقى والتمائم فيه ذكر تقلُّد الوتر وأنَّ محمدا عليه الصلاة والسلام بريء ممن تقلد وترا.
وقد مر معنا في أول الباب في حديث أبي بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل أن لا يبقين في عنق بعير قلادة من وتر أو قال قلادة إلا قُطعت. وهذا في معناه.