فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 260

وقوله (تقلَّد وتراً) التقليد بالوتر هذا له مفهوم، وهو أنّ النهي ليس راجع إلى القلادة من حيث هي؛ بل إلى القلادة التي يُعتقد فيها أنها تدفع العين، وخصّ الوتر منها هنا لأنه كان أهل الجاهلية يقلدون الأوتار وينوطون بها بعض الخِرق أو بعض الشعر أو بعض العظام لكي تدفع العين عن الأبعرة، وأن مجرد التقليد فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشعر هديه وأيضا فُتِلت له قلائد وعلق القلائد لبيان أن ما أرسله إلى مكة هدي.

فالتقليد هنا خُصّ بالوتر فيقال القلادة التي تجعل على الحيوان أو على غيره إذا كانت مما يعتقد فيها أو يختص بها الاعتقادات فإنه ينهى عنها، ولهذا قيدها في حديث أبي بشير الأول قال (لاَ يَبْقَيَنّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ) و (مِنْ) هاهنا بيانية، وكذلك هنا قال (أو تقلَّد وتراً) ، وهذا واضح المعنى من أنه جعل الوتر الذي قُلِّد تميمة.

وقوله في ذلك (فإن محمداً بريءٌ منه) هذا من الألفاظ التي تدلّ أن الفعل من الكبائر؛ لأن من الأدلة على أن فعلا ما من الكبائر أو عملا ما أو قولا ما من الكبائر أن يقال فيه: الله ورسوله منه بريئان، أو يتبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - منه؛ لأن ذلك يدل على عِظم المعصية، والشرك الأصغر من الكبائر كما أن الشرك الأكبر من الكبائر، والكبائر العملية التي ليس معها اعتقاد -يعني كبائر من جهة العمل- كالزنى والسرقة وكشرب الخمر التي ليس معها اعتقاد، هذه من حيث الجنس أقل مرتبة من حيث جنس المحرم والكبيرة أقل مرتبة من الشرك الأصغر فضلا عن الشرك الأكبر، ولهذا نقول الشرك الأصغر اتخاذ التمائم أو نحو ذلك هذا جنسه أعظم -من حيث الذنب والكبيرة- من جنس الكبائر العملية التي لا يَصْحَب فاعلها حين فعلها اعتقاد؛ يعني أن يعتقد في شيء ما، نُريد بذلك تقييد ذلك بنحو الخمر والزنى وما أشبه ذلك وأكل الربا ونحوه.

قال (وعن سعيد بن جُبَير، قال: من قطع تميمة من إنسان، كان كعِدْل رقبة.) يعني كان كتحرير رقبة، وهذا فيه فضيلة قطع التمائم؛ وذلك لأنها شرك بالله جل وعلا، والشرك الأصغر مدخل للنار من حيث الوعيد، والتوعد عليه بالنار جاء في نحو قوله جل وعلا {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48، 116] ، ونحو قوله «مَن ماتَ وهوَ يَدعو من دون اللّهِ نِدّاً دخلَ النار» ، وفي نحو قوله «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يُشْرِكُ باللّهِ شَيْئا دَخَلَ النّارَ» ، وإذا قطع التميمة من عنقه فهو في مقام إعتاق رقبة ذاك الذي قُطعت منه التميمة من النار؛ لأنه استوجب بذلك الفعل الوعيد بالنار فإذا قَطع تميمة فكان جزاءه من جنس فعله, فكما أنه أعتق رقبة هذا المسلم من النار فأُثيب بأن له مثل إعتاق رقبة.

وهذا القول من سعيد بن جبير محمول على أنه مما سمعه من الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأن هذا مما لا يقال بالرأي، وإذا كان كذلك فله حكم المرسل، فيكون هذا مرسلا؛ لأنه إذا كان مما يقال بالرأي لأن فيه فضيلة خاصة جعلها سعيد بن جبير لمن قطع تميمة من رقبة إنسان، فيكون ذلك من قبيل المرسل؛ يعني من قبيل المرفوع، وسعيد بن جبير تابعي من أصحاب بن عباس فيكون مرسلا، ففيه الكلام في حجية المرسل والإمام أحمد ومالك والشافعي يحتجون بالمرسل وكذلك الإمام أبو حنيفة يحتجون بالمرسل، منهم من يجعل له شروطا كالشافعي، ومنهم من يحتج بالمرسل إذا كان المعنى معروفا في الباب، وهذا ما هو موجود هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت