قال النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم"ومن أصاب شيئًا من ذلك"إلى آخره المراد به ما سوى الشرك وإلا فالشرك لا يغفر له" [1] ثم ذكر من فوائد الحديث (الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها، بل هو بمشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) [2] ."
وقال المروزي تعليقًا على هذا الحديث: (ففي هذا الحديث دلالتان على أن السارق، والزاني ومن ذكر في هذا الحديث غير خارجين من الإيمان بأسره إحداهما: قوله فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا، فهو كفارة له، والحدود لا تكون كفارات إلا للمؤمنين [3] ألا ترى قوله:"من ستر الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه"فإذا غفر له أدخله الجنة، ولا يدخل الجنة من البالغين المكلفين إلا مؤمن، وقوله [4] صلى الله عليه وسلم"إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه"هو نظير قول الله تبارك وتعالى(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) [5] وأن يغفر مادون ذلك الشرك لمن يشاء ممن مات وهو غير تائب، ولا جائز أن يغفر له ويدخله الجنة إلا وهو مؤمن) [6] .
الدليل الثالث: نصوص فيها التصريح ببقاء الإيمان والأخوة الإيمانية مع ارتكاب الكبائر ومنها.
1 -قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) [7] .
استدل أهل السنة بهاتين الآيتين على أن المؤمن لا يكفر بارتكابه الكبائر، لأن الله - عز وجل - أبقى عليه اسم الإيمان مع ارتكابه لمعصية القتل [8] ووصفهم بالأخوة وهي هنا أخوة الدين.
2 -قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء) الآية [9]
قال ابن الجوزي: (دل قوله تعالى(من أخيه) على أن القاتل لم يخرج من الإسلام) [10]
(1) مسلم بشرح النووي 11/ 223.
(2) نفسه 11/ 224 وانظر الجامع لشعب الايمان للبيهقي 2/ 98.
(3) رجح جمهور العلماء أن الحدود كفارة لأهلها استنادًا لهذا الحديث وغيره راجح مسلم شرح النووي 11/ 224، وفتح الباري 1/ 66 - 68 وجامع العلوم والحكم 161، 132
(4) هذه هي الدلالة الثانية
(5) سورة النساء، أية 48
(6) تعظيم قدر الصلاة للمروزي 2/ 616، 617
(7) سورة الحجرات آية 9، 10
(8) راجع فتح الباري 1/ 85 الإيمان الأوسط 24، شرح الطحاوية 361
(9) سورة البقرة، آية: 178
(10) زاد المسير 1/ 180