فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 348

ومثال ذلك ما قاله الإمام ابن قدامة - رحمه الله - في حكم من جحد وجوب الصلاة: (ولا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدًا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشيء بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار و أهل العلم، لم يحكم بكفره، وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر، و أما الجاحد لها ناشئا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها، وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها وهي الزكاة والصيام، والحج لأنها مبادئ الإسلام وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأدلتها و الإجماع منعقد عليها، فلا يجحدها إلا معاند للإسلام يمتنع من التزام الأحكام غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته، إلى أن يقول: وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول الشبهة ويستحله بعد ذلك) [1]

ويمكن أن نستخلص من أقوال الأئمة السابقة ما يلي:

أ- اتفاق الأئمة على أن حديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة يعذر بجهل.

الأحكام الظاهرة المتواترة كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم شرب الخمر .. الخ.

ب- أن من أنكر هذه الأمور في دار إسلام وعلم ولم يكن حديث عهد بإسلام أنه يكفر بمجرد ذلك، وبذلك ندرك خطأ من يظن أن الجاهل لا يكفر مطلقًا.

ج- أن هناك أحكامًا ظاهرة متواترة مجمع عليها ومسائل خفية غير ظاهرة ولكنها لا تعرف إلا من طريق الخاصة من أهل العلم. فهذه من أنكرها من العامة لا يكفر، ولكن من أنكرها من الخاصة يكفر [2] إذا كان مثله لا يجهلها.

د- أيضًا يمكن أن يقاس على حديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - بعدما ذكر بعض أنواع الشرك: ( ... و إن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم- مما يخالفه) [3] .

وقول الإمام المجدد: ( ... و إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم .. ) [4]

(1) المغني 131 - 132.

(2) انظر العواصم من القواصم لابن الوزير 4/ 174.

(3) انظر النص في الرد على البكري 376، وسيأتي نصوص أخرى عن شيخ الإسلام عند حكاية مذهبه.

(4) مجموعة الشيخ، فتاوى ومسائل 9/ 11، وسنذكر نصوصًا أخرى عن الإمام عند حكاية مذهبه في هذه المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت