وقول الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن بعض من يعمل الشرك إنه لا يكفر (لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة ولا وضحت له المحجة ... .) [1]
إذًا الحجة تختلف من بلد إلى آخر ومن زمن إلى آخر، وكذلك تختلف الأنظار والاجتهادات بالنسبة لقيام الحجة على الأشخاص، فقد يرى شخص أن الحجة قائمة على فلان أو على أهل البلد الفلاني، لانتشار العلماء والدعاة وطلبة العلم والكتب والأشرطة والمذياع وما يشبه ذلك، وقد يرى آخر أنه رغم انتشار الدعاة وطلبة العلم إلا أنهم لا يعتنون بمسائل التوحيد والشرك، أو أنهم أنفسهم مصابون بهذا الداء، فمن أين يعرف أهل بلدهم حقيقة التوحيد؟
وأعظم ما يؤدي إلى هذا الاختلاف واللبس أمران أحدهما: التقصير في الدعوة إلى الله وإقامة الحجة على الجهال والبدء بالأهم فالمهم، والثاني: عدم وجود السلطة التي تقيم الحجة وتستيب من يصر، والتي بها يتضح للناس من قامت عليه الحجة ومن لم تقم، ولعل هذا من أبرز أسباب كثرة الكلام حول هذه المسألة بين المتأخرين والله أعلم.
المسألة الخامسة: كيفية قيام الحجة على المعين:
أكد العلماء على ضرورة بلوغ الحجة للمعين، وثبوتها عنده وتمكنه من معرفتها، وكل ذلك لا يتم إلا بوجود من يحسن إقامة الحجة.
يقول شيخ الإسلام في ذلك: ( ... وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها: قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان ... ) [2] ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله - ( ... و أما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفي الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل) [3] .. ويقول أيضًا:( ... . فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل،
وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه) [4] .
ويقول الإمام ابن حزم - رحمه الله: (وكل ما قلناه فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه، معذور مأجور و إن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق) [5] .
(1) الهدية السنية 46، 47، وسيأتي النص بتمامه عند حكاية مذهب أئمة الدعوة.
(2) مجموع الفتاوي 23/ 346، ومثله 3/ 231، 20/ 59.
(3) طريق الهجرتين 384، كلام الإمام ابن القيم في الحكم الأخروي، لكن الشاهد منه قوله وعدم التمكن من معرفتها).
(4) مدارج السالكين 2/ 239.
(5) الإحكام لابن حزم 1/ 67.