فهرس الكتاب
إما مقيد بأن ذلك بعد قيام الحجة عليه أو لأن الحجة قائمة عليه، أو أنه يقصد بقوله (لم يعذر بالجهالة) أي أنه يغلظ عليه كما في الحديث"انزعها""لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا"ونحوه [1] ، وكما في حديث ذات أنواط قال الإمام محمد في تعليقه عليه: ( ... وتفيد أيضًا أنه لو لم يكفر فأنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم-) .
أما من قال: (فإذا كان الرجل لم يعذر بالجهالة في أمر من أمور الشرك الأصغر، فكيف بالشرك الأكبر؟!) [2] ، فيقال له: إن الوقوع في الشرك الأصغر - حتى لو قامت الحجة على صاحبه - لا يصير صاحبه مرتدًا عن الإسلام، بخلاف الوقوع في الشرك الأكبر بعد قيام الحجة، فكيف يقاس هذا على ذاك؟.
أما قول الإمام رحمه الله: ( ... . فإن الذي لم تقم عليه الحجة ... الخ) .
فأصل هذه المقالة، إجابة عن سؤال من بعض المشايخ [3] يسألون الإمام عن قول شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه: (من جحد ما جاء به الرسول وقامت به الحجة فهو كافر) .
فأجاب الإمام: ( ... ما ذكرتموه من قول الشيخ كل من جحد كذا وكذا، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعه-م هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب، كيف تشكون في هذا وقد وضحته لكم مرارًا؟ فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية، أو يكون في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف، و أما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة ... ) [4] فقول الإمام هنا يجاب عنه بمثل ما أجيب به قول ابن تيمية السابق. [5] .
فالإمام هنا يتكلم عن أناس معينين قد قامت عليهم الحجة، حيث أقام عليهم الإمام الحجة، فشرح لهم التوحيد وحذرهم من الشرك، فمثل هؤلاء لا يعذرون في مسألة التوحيد والشرك ولا في المسائل الظاهرة المتواترة.
ومن تأمل سيرة الإمام - رحمه الله - وأطلع على رسائله الشخصية وخاصة القسم الرابع منها [6] ، يتبين له، هذا الفهم، ففي رسالته إلى أحمد بن إبراهيم مطوع مرات قال: ( ... وصار الخلاف في أناس معينين أقروا أن التوحيد الذي ندعوا إليه دين الله ورسوله، و أن الذي ننهى عنه في الحرمين والبصرة والحسا هو الشرك بالله، ولكن هؤلاء المعينين هل تركوا التوحيد بعد معرفته، وصدوا الناس عنه؟ أم فرحوا به وأحبوه ودانوا به وتبرأوا من الشرك وأهله؟ فهذه ليس مرجعها إلى طالب العلم بل مرجعها إلى علم الخاص والعام، مثال ذلك إذا صح أن أهل الحسا والبصرة يشهدون أن التوحيد الذي نقول دين الله ورسوله، و أن هذا المفعول عندهم في الأحياء والأموات هو الشرك بالله، ولكن أنكروا علينا التكفير والقتال خاصة، والمرجع في هذه المسألة إلى الحضر والبدو والنساء والرجال. هل أهل قبة الزبير وقبة الكواز تابوا من دينهم، وتبعوا ما أقروا به من التوحيد؟ أو هم على دينهم ... ) [7] .
فيتضح لنا من هذا النص أن الشيخ يتكلم عن أناس معينين قد أقام عليهم الحجة فعرفوا التوحيد، بعد ذلك وقعوا في الشرك وعادوا أهل التوحيد، ولكي يؤكد الإمام كلامه هنا، بين أن العامة والخاصة من الحضر والبدو والنساء والرجال يشهدون بذلك (أي وقوعكم بالشرك بعدما عرفتم التوحيد) فهي مسألة لا تحتاج إلى عالم أو طالب علم ليثبتها، والله أعلم.
ومثل ذلك ما جاء في رسالته إلى سليمان بن سحيم، حيث قال فيها:( ... أنكم تقرون أن الذي يأتيكم من عندنا هو الحق و أنت تشهد به ليلًا ونهارًا، و إن جحدت هذا شهد عليك الرجال والنساء ثم مع هذه الشهادة أن هذا دين الله و أنت وأبوك مجتهدان في عداوة هذا الدين ليلًا ونهارًا ومن أطاعكما، وتبهتون وترمون المؤمنين بالبهتان العظيم، وتصورون على الناس الأكاذيب الكبار فكيف تشهد أن هذا دين الله ثم تتبين في عداوة من تبعه؟
الوجه الثاني: إنك تقول إني أعرف التوحيد وتقر أن من جعل الصالحين وسائط فهو كافر والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرؤه لهم وتحضرهم وهم ينخون ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك، فإذا كنت تعرف أن هذا كفر فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم؟ .. إلى أن يقول: و أما الدليل على أنك رجل معاند، ضال على علم، مختار الكفر على الإسلام، فمن وجوه:
الأول: إني كتبت ورقة لابن صالح من سنتين فيها تكفير الطواغيت شمسان وأمثاله، وذكرت فيها كلام الله ورسوله وبينت الأدلة، فلما جاءتك نسختها بيدك لموسى بن سليم ثم سجلت عليها وقلت: ما ينكر هذا إلا أعمى القلب، وقرأها موسى في البلدان وفي منفوحة وفي الدرعية وعندنا، ثم راج بها للقبلة، فإذا كنت من أول موافقا لنا على كفرهم، وتقول: ما ينكر هذا إلا من أعمى الله بصيرته فالعلم
الذي جاءك بعد هذا يبين لك أنهم ليسوا بكفار بينه لنا ... ) [8] .
وبذلك نفهم من قول الإمام في آخر النص المذكور: ( ... و أما أصول الدين التى أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن: فمن بلغه فقد بلغته الحجة ... ) [9] ، أي (أصول الدين) من مسائل التوحيد والشرك
(1) انظر"سعة رحمة رب العالمين"السيد الغباشي 22،23.
(2) الجواب المفيد: 26.
(3) وهم عيسى بن قاسم، و أحمد بن سويلم فتاوي ومسائل 12.
(4) مجموعة الشيخ 9/ 12، الفتاوي والمسائل.
(5) انظر ص262.
(6) انظر مجموعة الشيخ والرسائل الشخصية 12/ 201 - 245.
(7) المرجع السابق 12/ 204.
(8) انظر الرسالة بطولها، مجموعة الشيخ، الرسائل الشخصية 226 - 237، وانظر رسالته إلى رجل من أهل الاحساء يقال له أحمد بن عبد الكريم ص216 - 217.
(9) بعض من يحتج بهذا الكلام، يرى أن الحجة في أصول الدين قائمة بمقتضى الميثاق!! لكن الشيخ يؤكد أن حجة الله هي القرآن: فمن بلغه فقد بلغته الحجة، وانظر إرشاد المسلمين في الرد على القبوريين لابن معمر 68 - 72.