فهرس الكتاب
والواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة، لا يعذر فيها أمثال هؤلاء المذكورين لأنهم ليسوا حديثي عهد بإسلام ولا نشأوا ببادية بعيدة، وليست هذه المسائل كالمسائل الخفية التي يعذرون بها مع عدم قيام الحجة.
يتضح لنا من كل ما سبق أن مذهب الإمام المجدد في هذه المسألة، هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أما قول الإمام في آخر النص ( ... ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة ... ) فيحتمل معنيين:
الأول: أن أمثال هؤلاء المذكورين، ممن بلغتهم الدعوة، وتمكنوا من فهمها، لا يعذرون بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة ولا الواجبات الظاهرة المتواترة، ولذلك ضرب الإمام مثاليين يؤكدان هذا الفهم.
المثال الأول: الخوارج: فالخوارج عاشوا في دار العلم مع الصحابة فلا يمكن أن يدعوا أنهم لم يفهموا الحجة في مثل الأصول المجمع عليها.
والمثال الآخر: القدرية: قال رحمه الله: (وكذلك إجماع السلف على تكفير ناس من غلاة القدرية وغيرهم، مع كثرة علمهم، وشدة عبادتهم، مع كونهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل أنهم لم يفهموا) [1] .
فانظر إلى قوله (مع كثرة علمهم) فهؤلاء ليسوا حديثي عهد بإسلام ولم يكن جهلهم في أمور خفية، فلا يعذرون بسبب سوء فهمهم، و أيضًا، انظر إلى دقة عبارة الشيخ حيث قال: ( ... على تكفير ناس من غلاة القدرية وغيرهم) ، فلم يكفر السلف كل من قال بقول القدرية [2] ، و إنما كفروا معينين قامت عليهم الحجة.
ومما يؤكد هذا الفهم، ما ذكره الشيخ في موضع آخر حيث قال: ( ... فإذا كان المعين، يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} [3] ، وقوله: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [4] [5] ، وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن في توضيح هذه المسألة عند تعليقه على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال فيه:(ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه) ، قال الشيخ عبد اللطيف: (وشيخنا رحمه الله قد قرر هذا وبينه
(1) مجموعة الشيخ 9/ 13.
(2) سيأتي تفصيل لذلك عند الكلام عن مسألة"حكم المتأولين"
(3) الأنعام، آية: 25.
(4) سورة الأنفال، آية: 22.
(5) مجموعة الشيخ 12/ 220،221.