فهرس الكتاب
وفاقًا لعلماء الأمة واقتداءًا بهم، ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى:"حتى يبين لهم ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم-".
فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له، وليس بين بين وتبين فرق بهذا الاعتبار لأن كل من بين له ما جاء به الرسول أصر وعاند فهو غير مستجيب، والحجة قائمة عليه سواء كان إصراره لشبهة عرضت له، أو كان ذلك عن عناد وجحود واستكبار .. إلى أن يقول: وكذلك كل من بلغته دعوة الرسل بلوغًا يعرف منه المراد والمقصود، فرد ذلك لشبهة أو نحوها فهو كافر و إن التبس عليه الأمر وهذا لا خلاف فيه) [1] ، من كل ما سبق ندرك خطأ من يحتجون بالكلام المذكور للشيخ على أنه لا يعذر في الأصول المجمع عليها بشكل مطلق.
الاحتمال الثاني: أن الفهم المقصود هنا هو (فهم الهداية، فليس كل من بلغته الحجة وفهمها يهتدى بها لكن الله قد جعل فهم الدلالة شرطًا في تكليف عموم الناس مؤمنهم وكافرهم، ولم يجعل فهم الهداية والتوفيق إلا لمن أراد لهم ذلك) [2] ، وهذا الفهم هو المذكور في الآيات من مثل قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [3] ، وقال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ... } الآية [4] وغير ذلك من الآيات، وبشكل عام لا تعارض بين الاحتمالين فكلاهما مكمل للآخر.
5 -مذهب أئمة الدعوة في هذه المسألة:
هذا الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، و الإمام المجدد - رحمهم الله - هو الذي فهمه عنهم عامة أئمة الدعوة، وسأسرد ما وقفت عليه من كلامهم مما يؤيد ذلك:
أ-فهذا الإمام عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب [5] ، يقول معلقًا على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وتأمل كلامه فيمن دعا نبيًا أو وليًا أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب و إلا قتل، تجده صريحًا في تكفير أهل الشرك وقتلهم بعد الاستتابة وإقامة الحجة عليهم ... [6] .
(1) مصباح الظلام، 325، 326، وانظر الضياء الشارق 374، 375، وانظر مبحثًا نفيسًا حول الفرق بين قيام الحجة وفهمها، وبيان مذهب أئمة الدعوة في ذلك،"الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه"لعبد الرزاق معاش 152 - 164 (رسالة ماجستير، مطبوعة على الآلة الكاتبة) .
(2) ضوابط التكفير، عبد الله القرني 344.
(3) سورة الأنفال، آية: 22.
(4) سورة الفرقان، آية: 44.
(5) (*) من كبار أئمة الدعوة، ولد في الدرعية سنة 1165ه- له مؤلفات مفيدة منها"الكلمات النافعة""وجواب أهل السنة النبوية"عرف بالشجاعة أبناؤه علماء أشهرهم سليمان صاحب"تيسير العزيز الحميد"توفي في مصر سنة 1242ه-. انظر: مشاهير علماء نجد ص 48، وعلماء نجد 1/ 48، الاعلام 4/ 131.
(6) الكلمات النافعة 17،18.