فهرس الكتاب
الله - صلى الله عليه وسلم - في المشركين. قلت: إلى هذا ذهب طائفة من أئمة العلم فقالوا: يجب أولًا دعاؤهم إلى التوحيد وإبانة أن ما يعتقدونه ينفع ويضر، لا يغنى عنهم من الله شيئا .. وهذا واجب على العلماء أي بيان أن ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور والنحائر والطواف والقبور شرك محرم .. فإذا أبانت العلماء ذلك للأئمة والملوك بعث دعاة إلى إخلاص التوحيد، فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح الرسول -صلى الله عليه وسلم- من المشركين) [1] فانظر كيف لم يحكم بحل دم إلا من أصر بعد إقامة الحجة الواضحة عليه، ولو كانوا كفارًا أصليين لما كان هذا لازمًا لأن الكافر الأصلي يقاتل إن كانت بلغته الدعوة. [2] .
الثالث: أننا نقول حتى لو اعتبرهم مرتدين بهذا الفعل، فإن ذلك يكون بعد إقامة الحجة عليهم.
الرابع: ذكر الإمام الشوكاني - رحمه الله - رأيا آخر للإمام الصنعاني أكثر شذوذًا من هذا القول ويناقض قوله السابق، حيث حكى عنه أنه يعتبر دعاء الأولياء والاستغاثة بهم من الكفر العملي غير المخرج من الملة وليس من الشرك المخرج، مما يدل على نوع من اضطراب في مذهب الصنعاني في هذه المسألة.
قال الشوكاني - رحمه الله: (ومن جملة الشبه التي عرضت لبعض أهل العلم ما جزم به السيد العلامة محمد بن اسماعيل الأمير- رحمه الله تعالى - في شرحه لأبياته التي قال في أولها:
رجعت عن النظم الذي قلت في نجدي [3] فإنه قال: إن كفر هؤلاء المعتقدين للأموات هو من الكفر العملي لا الكفر الجحودي، ونقل ما ورد في كفر تارك الصلاة .. وكفر تارك الحج .. ونحو ذلك من الأدلة الواردة فيمن زنى وسرق ومن أتى أمرأة حائضًا أو امرأة في دبرها أو أتى كاهنًا أو عرافًا أو قال لأخيه يا كافر، قال: فهذه الأنواع من الكفر و إن أطلقها الشارع على فعل هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد عن الإيمان ... ثم قال السيد المذكور: قلت: ومن هذا (يعني الكفر العملي) من يدعو الأولياء ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله فإنه كفر عملي لا اعتقادي ... إلى أن يقول: فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد، فالواجب وعظهم وتعريفهم جهلهم وزجرهم، ولو بالتعزير كما أمرنا بحد الزاني والشارب والسارق من أهل الكفر العملي، وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورًا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي كحديث"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة"أخرجه
(1) تطهير الاعتقاد 132، ضمن مجموعة"عقيدة الموحدين".
(2) انظر سعة رحمة رب العالمين، للسيد الغباشي ص27.
(3) يؤكد بعض المؤرخين أن الصنعاني تراجع عن مدحه لدعوة الشيخ المجدد كما قال البسام في"علماء نجد"3/ 948، ويرى الشيخ ابن سحمان في كتابه"تبرئة الشيخين الإمامين"الذي يدافع فيه عن الإمام المجدد وعن الصنعاني - يرى ابن سحمان أنه لم يتراجع، و الإمام الشوكاني هنا يؤكد أنه تراجع و أنه شرح قصيدته التي تراجع فيها، ولعل رأيه أقرب بحكم معرفته لعلماء بلده والله أعلم، انظر تفصيل لذلك في"تبرئة الشيخين"182 - 195، و"دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب"ص39.