أبيح له فعل المكره عليه دفعًا لما يتوعده به من العقوبة فيما بعد، ... ولأنه متى توعده بالقتل وعلم أنه يقتله فلم يبح له الفعل أفضى إلى قتله وإلقائه بيده إلى التهلكة، ولا يفيد ثبوت الرخصة بالإكراه شيئًا ... وثبوت الإكراه في حق من نيل بشيء من العذاب لا ينفي ثبوته في حق غيره )) [1] (.
وفرق القاضي أبو يعلى بين التوعد بالقتل والتوعد بغيره فقال - رحمه الله: ( ... فإن كان التوعد بالقتل، وكان ذلك من قاهر مقتدر فيجب أن يقال: إنه إكراه، رواية واحدة، لأن الفعل إذا وقع لم يمكن رفعه، وليس كذلك، إذا كان التوعد بضرب وحبس لأن الفعل إذا وقع يمكن رفعه ... ) ) [2] (.
وقال الإمام مالك - رحمه الله: (والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به ) ) [3] (، وقال الإمام أبو بكر بن العربي - رحمه الله:(وقد اختلف الناس في التهديد، هل هو إكراه أم لا؟ والصحيح أنه إكراه، فإن القادر الظالم إذا قال لرجل: إن لم تفعل كذا وإلا قتلتك، وضربتك أو أخذت مالك، أو سجنتك، ولم يكن له من يحميه إلا الله، فله أن يقدم على الفعل، ويسقط عنه الإثم في الجملة، إلا في القتل ... ) ) [4] (، كل ما سبق يتعلق بوسيلة الإكراه، وهناك جانب آخر يتعلق بالمكره عليه، نبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حيث قال:(تأملت المذاهب، فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره، فليس المعتبر في كلمات الكفر، كالإكراه المعتبر بالهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب وقيد، ولا يكون الكلام إكراهًا، وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها بمسكنه فلها أن ترجع على أنها لا تهب إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراهًا، ولفظه في موضع آخر لأنه أكرهها، ومثل هذا لا يكون إكراهًا على الكفر، فإن الأسير إن خشي الكفار أن لا يزوجوه أو أن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر ) ) [5] (، فشيخ الإسلام - رحمه الله - يفرق بين الإكراه على الكفر، والإكراه على غيره من الأحكام، فمن أكره على الكفر لا يباح له التكلم بذلك إلا بعد التعذيب، أما غير ذلك فيكفي فيه الكلام والتخويف.
(1) المغني 7/ 119، وانظر الروايتين عن أحمد في المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى 2/ 155،156.
(2) كتاب الروايتين والوجهين 2/ 156.
(3) تفسير القرطبي 10/ 190.
(4) أحكام القرآن 3/ 1177.
(5) مجموعة التوحيد 297.
(*) انظر هذه الشروط في المغني 7/ 120، فتح الباري 12/ 311، الأشباه والنظائر للسيوطي 209، بدائع الصنائع 7/ 175، نهاية المحتاج 6/ 446، والإكراه وأثره في التصرفات د. عيسى شقره 43 - 58، رفع الحرج في الشريعة د. صالح بن حميد 242، الإكراه وأثره في عقود المعاوضات المالية د. إبراهيم العروان 57 - 61، والإكراه في الشريعة الإسلامية د. فخري أبو صفية 30 - 43. وغيرها، وهذه الشروط وإن تفاوت عددها في هذه المصادر، إلا أنها لا تتجاوز هذه الأربعة المذكورة، أما ما عداها فإما راجع إليها أو لا يصح أن يكون شرطًا والله أعلم، انظر تفصيل ذلك في المراجع المذكورة.