4 -حكم من ادعى علم الغيب
بيّنا في المباحث السابقة اختصاصه سبحانه بعلم الغيب، وأنه يطلع من يشاء من رسله على شيء منه، وكذلك ذكرنا شيئًا من انحرافات الباطنية والمتصوفة في هذا الباب حيث زعموا أن أولياءهم يعلمون الغيب.
وسنتكلم في هذا المبحث عن كلام أهل العلم في حكم من ادعى معرفة الغيب أو شيئًا منه.
يقول الإمام ابن العربي المالكي في ذلك: (مقامات الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله لا إمارة عليها، ولا علامة عليها، إلا ما أخبر به الصادق المجتبى ... ، فكل من قال: إنه ينزل الغيث غدًا فهو كافر، أخبر عنه بأمارات ادعاها، أو بق-ول مطلق) [1] (، ومن ق-ال: إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر، فأما الأمارة على هذا فتختلف، فمنها كفر، ومنها تجربة) [2] (، والتجربة منه أن يقول الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسودًا الحلمة فهو ذكر، وإن كان ذلك في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فهو ذكر، وإن وجدت الجنب الأشأم أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة لا واجبًا في الخلقة لم نكفره ولم نفسقه، وأما من ادعى علم الكسب في مستقبل العمر فهو كافر أو أخبر عن الكوائن الجميلة أو المفضلة فيما يكون قبل أن يكون فلا ريب في كفره أيضا ... ) ) [3] (.
وقال صديق خان- رحمه الله-: (فمن اعتقد في نبي، أو ولي، أو جن، أو ملك، أو إمام، أو ولد إمام، أو شيخ، أو شهيد، أو منجم، أو رمال، أو جفار، أو فاتح فال، أو برهمن، أو راهب، أو جنية، أو خبيث أن له مثل هذا العلم، وهو يعلم الغيب بعلمه ذلك فهو مشرك بالله، وعقيدته هذه من أبطل الباطلات وأكذب المكذوبات، وهو منكر لهذه الآية القرآنية وجاحد لها ) ) [4] (( أي قوله تعالى:(وعنده مفاتح الغيب ... ) الآية).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله: ( .. والمقصود من هذا: معرفة أن من يدعي معرفة علم الشيء من المغيبات فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة، ونحو هذا من علوم الجاهلية .. فمن أتاهم(أي الكهنة والعرافين) فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد، وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وادعوا أنهم أولياء وأن ذلك كرامة، لا ريب أن من ادعى الولاية، استدل بإخباره ببعض المغيبات فهو من أولياء
(1) لعل المقصود والله أعلم من يقول ذلك على سبيل الجزم واليقين.
(2) مثل ذلك يقال في مسألة نزول الغيث إن كان عن تجربة وتأمل لسنن الله في الكون، ولم يجزم بوقوع ذلك بغلبة الظن فجائز والله أعلم.
(3) أحكام القرآن 2/ 738.
(4) الدين الخالص 1/ 425، 426 ,