لكن هذه الطوائف وإن ألهت بعض الخلق أو البشر أو الكواكب، إلا إنها- مع ذلك- لم تقل بالتساوي بين هذه الآلهة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: ( ... ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرون بأنه ليس له شريك مثله، ... وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية، اللذين يقولون بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم قولين: أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة المخلوقات له، والثاني أنها قديمة، ولكنها لا تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور ) ) [1] (.
ويقول ابن أبي العز الحنفي- رحمه الله-: ( ... ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فإنه الثنوية من المجوس، والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما- متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة، هل هي قديمة أو محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين، وأما النصارى القائلون بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون باسم الابن والأب وروح القدس إله واحد، وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، ولا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد، فإنهم يقولون: هو
(1) التدمرية 176 - 178.
(*) يعنون بالأقانيم الصفات كالوجود والحياة والعلم وسموها: الأب والابن والروح القدس، وأصل معنى الأقانيم في اللغة: الأصول، واحدها أقنوم، انظر الملل والنحل للشهرستاني 1/ 221، لسان العرب 12/ 496.