أ- معنى النفاق لغة واصطلاحًا
اختلف علماء اللغة في أصل النفاق، فقيل: إن ذلك نسبة إلى النفق وهو السرب في الأرض، لأن المنافق يستر كفره ويغيبه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه.
وقيل: سمي به من نافقاء اليربوع، فإن اليربوع له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب من القاصعاء قصع فخرج من النافقاء، كذا المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه، وقيل: نسبة إلى نافقاء اليربوع أيضًا، لكن من وجه آخر وهو إظهاره غير ما يضمر، وذلك: أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض ترك قشرة رقيقة حتى لا يعرف مكان هذا المخرج، فإذا رابه ريب دفع ذلك برأسه، فخرج، فظاهر جحره تراب كالأرض، وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر) [1] (.
ولعل النسبة إلى نافقاء اليربوع أرجح من النسبة إلى النفق (لأن النفق ليس فيه إظهار شيء، وإبطال شيء آخر، كما هو الحال في النفاق، وكونه مأخوذًا من النافقاء باعتبار أن المنافق يظهر خلاف ما يبطن، أقرب من كونه مأخوذًا منه باعتبار أنه يخرج من غير الوجه الذي دخل فيه، لأن الذي يتحقق فيه الشك الكامل بين النافقاء والنفاق هو إظهار شيء وإخفاء شيء آخر، إضافة إلى أن المنافق لم يدخل في الإسلام دخولًا حقيقيًا حتى يخرج منه ) ) [2] (.
أما النفاق في الاصطلاح الشرعي فهو القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد) [3] (، أو هو الذي يستر كفره ويظهر إيمان-ه، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وإن كان أصله في اللغة معروفًا) [4] (كما سب--ق. (وأساس النفاق الذي بنى عليه المنافق لابد وأن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتاب-ه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى:(ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) ) [5] (وقال:(والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) ) [6] (وأمثال هذا كثير ) ) [7] (، إذا أخص وأهم ما يميز المنافقين الاختلاف بين الظاهر والباطن، وبين الدعوى والحقيقة كما قال تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر
(1) انظر في معنى النفاق لسان العرب 10/ 358،359، المفردات 502، النهاية 5/ 98، القاموس المحيط 3/ 286، شرح السنة النبوية للبغوي 1/ 71، 72، وتفسير القرطبي 1/ 195، وحاشية مختصر سنن أبي داود 7/ 52، 53 والمنافقون في القرآن الكريم، د. عبد العزيز الحميدي 13.
(2) المنافقون في القرآن ص 13.
(3) انظر عارضة الأحوذي 10/ 97.
(4) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر 5/ 98، ولسان العرب 10/ 359، الإيمان لابن تيمية 284.
(5) سورة البقرة، آية: 10.
(6) سورة المنافقون، آية:1.
(7) الإيمان الأوسط 162، وانظر صفة النفاق للإمام الفريابي 29.