ثانيًا: هل يلزم من قتال الطائفة الممتنعة كفرها؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من جعل قتال الطائفة الممتنعة بمنزلة قتال البغاة، ومنهم من جعل قتال الممتنعة ومنهم مانعي الزكاة، والخوارج بمنزلة المرتدين. قال شيخ الإسلام في حكاية الخلاف: ( ... ولهذا كان فيهم(أي الخوارج) وجهان في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: أنهم بغاة، الثاني: أنهم كفار كالمرتدين، يجوز قتلهم ابتداءًا، وقتل أسيرهم، واتباع مدبرهم، ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل: كما أن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها؟ على روايتين") [1] (."
وقال أيضًا:".... وكذلك مانعو الزكاة، فإن الصديق والصحابة ابتداؤا قتالهم، قال الصديق: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب، ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالرويتين عنه في تكفير الخوارج، وأما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين، فإن القرآن قد نص على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي والله أعلم") [2] (.
وشيخ الإسلام - رحمه الله يرجع تكفير الممتنع عن الشرائع الظاهرة المتواترة إذا كانوا طائفة وقاتلوا الإمام على ذلك. قال - رحمه الله:"وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة، فهل يجوز اتباع مدبرهم، وقتل أسيرهم، والإجهاز على جريحهم؟ على قولين للعلماء مشهورين، ... والصواب أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين، فإن هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ أصلًا، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين ومانعي الزكاة، وأهل الطائف، والخزمية، ونحوهم ممن قاتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام، وهذا موضع اشتبه فيه على كثير من الناس من الفقهاء، فإن المصنفين في قتال أهل البغي جعلوا قتال مانعي الزكاة، وقتال الخوارج، وقتال علي لأهل البصرة، وقتاله لمعاوية وأتباعه، من قتال أهل البغي وذلك كله مأمور به، وفرعوا مسائل ذلك تفريع من يرى ذلك بين الناس، وقد غلطوا، بل الصواب ما عليه أئمة الحديث والسنة وأهل المدينة، كالأوزاعي، والثوري، ومالك، وأحمد بن حنبل وغيرهم: أنه يفرق بين هذا وهذا، فقتال علي للخوارج ثابت بالنصوص الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين، وأما القتال يوم صفين ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة، بل صد عنه أكابر الصحابة، مثل سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر وغيرهم ... إلى أن يقول: فالفتن مثل الحروب التي تكون بين ملوك المسلمين، وطوائف المسلمين، مع أن كل واحد من الطائفين ملتزمة لشرائع الإسلام مثل ما كان من أهل الجمل وصفين، وإنما اقتتلوا"
(1) وانظر حكاية الخلاف في مذهب أحمد وغيره كتاب الروايتين والوجهين لأبي يعلى 1/ 221، 222 والمغني 2/ 574، 575.
(2) مجموع الفتاوى 35/ 57.