فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 348

فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره تعالى فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره") [1] (."

ويقول الإمام الصنعاني في إيضاح ذلك:"... فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده واللجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات ... ، ومن فعل ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره، فهذا شرك في العبادة") [2] (

ويلخص الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله - تعريف الشرك بعبارة موجزة فيقول:"إن حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعًا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله، فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع، فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر الذي لا يشذ عنه شيء") [3] (.

من كل ما سبق يمكن أن نلخص حد الشرك في الألوهية بأنه"صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله عز وجل". أما أنواع الشرك في العبادة فهي كثيرة حصرها بعض أهل العلم بأربعة أنواع وهي:) [4] (.

1 -شرك الدعوة (الدعاء) .

2 -شرك النية والإرادة والقصد.

3 -شرك الطاعة.

4 -شرك المحبة.

وهذه الأنواع ترجع إلى نوعين:

الأول: شرك في الاعتقاد وهو هنا عمل القلب.

والثاني: شرك في الأقوال والأعمال، وهذا في الحقيقة يرجع إلى عمل القلب كما سنعرف بعد قليل، وسيقتصر حديثنا على شرك النية والإرادة، وشرك المحبة لتعلقهما بموضوع بحثنا، وهو الشرك الأكبر بعمل القلب ولرجوع غالب أنواع الشرك إليهما.

أولا: شرك النية والارادة والقصد

أ- أهمية إخلاص النية والارادة والقصد لله عز وجل

تواترت نصوص الكتاب والسنة في الحث على إخلاص النية والقصد لله عز وجل في جميع الأقوال والأعمال، والتحذير مما يخالف ذلك من الشرك والرياء وغيره، ولذلك سمي توحيد الألوهية بتوحيد الإرادة والقصد والطلب، وهذا هو حقيقة العبودية لله عز وجل، قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين") [5] (قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسيرها:"يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه إنه مخالف لهم في ذلك فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى:"فصل لربك وانحر") [6] (أي أخلص له صلاتك وذبحك فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى") [7] (، وقال عز وجل:"فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا") [8] (، وقال سبحانه:"من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار حبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون") [9] (، ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - هذه الآية تحت"باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا"وعلق الشيخ عبد الرحمن بن حسن على ذلك قائلًا:"أراد المصنف - رحمه الله - بهذه الترجمة وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء، لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه والمؤمن يكون حذرًا من هذا وهذا") [10] (."

وقال تبارك وتعالى: [من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا] ) [11] (، وقال سبحانه: [وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة

(1) الجواب الكافي 201.

(2) تطهير الاعتقاد (ضمن مجموعة"عقيدة الموحدين") ص 127.

(3) القول السديد ص 43.

(4) انظر مجموعة التوحيد ص 5، الضياء الشارق 421.

(5) سورة الأنعام، آية: 163.

(6) سورة الكوثر، آية: 2.

(7) تفسير ابن كثير 2/ 198.

(8) سورة الكهف، آيه: 110.

(9) سورة هود، آية: 15،16.

(10) فتح المجيد 382.

(11) سورة الإسراء، آية: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت