لَقَدْ أَتَى القُرْآنُ بِهَذَا المفْهُومِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ المعْصُومُ؛ فَالحَقُّ يَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ؛ قَالَ اللهُ (: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت 8] يَأْتِي رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِصلى الله عليه وسلم وَيَشْكُو لَهُ أَفْعَالَ أَرْحَامِهِ؛ يَقُولُ: إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ(1) : «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ؛ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ أَيْ: كَأنَّمَا تُطْعِمُهُمُ الرَّمَادَ الحَارَّ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ لِمَا يَلْحَقُهُم مِنَ الإِثْمِ بِمَا يَلْحَقُ آكِلَ الرَّمَادِ مِنَ الأَلَمِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى المحْسِنِ إِلَيْهِم، وَلاَ يَزَالَ، مَا دُمْتَ: أَلْفَاظٌ تُسْتَعْمَلُ -فِي لُغَةِ العَرَبِ- لِلاسْتِمْرَارِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَاللهُ (عَوْنٌ وَمُؤَيِّدٌ لَكَ عَلَيْهِم مَا دُمْتَ مُسْتَمِرًّا فِي الصِّلَةِ، وَمَعَكَ ظَهِيرٌ: أَيْ مَلَكٌ مِنْ مَلاَئِكَةِ السَّمَاءِ يُسَدِّدُكَ، فَصِلْهُمْ وَلاَ تَقْطَعْهُم، أَمَّا هُمْ فَعَلَيْهِم إِثْمٌ عَظِيمٌ؛ فَاللهُ يَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنْ لَمْ تُنْصَرْ فِي الدّنيَا فَسَتُنْصَرُ فِي الآخِرَةِ، وَلَنَصْرُ الآخِرَةِ أَعْظَمُ مِنْ نَصْرِ الدّنيَا؛ يَوْمَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِهِم فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُم حَسَنَاتٌ يُؤْخَذُ مِنْ سَيّئَاتِكَ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُطْرَحُونَ فِي النَّارِ.
(1) صحيح): مسلم 2558.