أَصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ (1) : مَأْخُوذَةٌ مِنَ (الرُّحْم) أَوْ (الرِّحْم) وَهُمَا القَرَابَةُ وَأَسْبَابُهَا، وَمُشْتَقَّةٌ مِنْ مَادَّةِ: رَحِمَ أيْ: رَقَّ لَهُ وَعَطَفَ عَلَيْهِ، تَرَاحَمَ القَوْمُ: رَحِمَ بَعْضُهُم بَعْضًا، تَرَحَّمَ عَلَيْهِ أَيْ: دَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَالرَّحْمَةُ أَيْ: الخَيْرُ وَالنِّعْمَةُ وَالشَّفَقَةُ وَالحَنَانُ، المَرْحَمَةُ أيْ: الرَّحْمَةُ، وَجَمْعُهَا مَرَاحِمُ، وَرَحْمَةُ اللهِ: نِعَمُهُ وَأَلْطَافُهُ وَإِكْرَامُهُ، والرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ مِثْلُ قَوْلِكَ: نَدِيمُ وَنَدْمَانٌ، والرَّحِمُ أيْ: وعَاءُ الجَنِينِ فِي البَطْنِ؛ لِمَا يَلْقَاهُ فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ الرَّاحَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَذَوُو الأَرْحَامِ أيْ: الأَقَارِبُ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ -كَمَا فَسَّرَهَا النَّوَوِيُّ- رَحِمَهُ اللهُ: هِيَ الإِحْسَانُ إِلَى الأَقَارِبِ عَلَى حَسبِ الحَالِ الوَاصِلِ وَالموَصْولِ؛ فَتَارَةً تَكُونُ بِالمَالِ وَتَارَةً بِالسَّلاَمِ وَأُخْرَى تَكُونُ بِزِيَارَةٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَحَسْبُنَا مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ.
رُبَّمَا يلْفِتُ نَظَرَكَ هَذَا العُنْوَانُ؛ وَلَكِنَّهُ تَوْجِيهٌ -مِنَ النَّبِيِّ- عَظِيمٌ؛ لأَنَّكَ تَسُلُّ سَخِيمَةَ قَلْبِهِ، وتَنْزِعُ الحِقْدَ مِنْ قَلْبِهِ بِمَبْلَغٍ زَهِيدٍ؛ فَأَنْ تَعْفُوَ عِنْدَ المقْدِرَةِ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتَصْفَحَ، فَهَذَا -لاَ شَكَّ- عَمَلٌ حَسَنٌ، وَفِيهِ قَهْرٌ لِلنَّفْسِ وَإِذْعَانٌ لِمُعَادِيهَا ..
(1) راجع: لسان العرب لابن منظور، مختار الصِّحَاح للرازي.