فَكُلُّ هَذِهِ الآيَاتِ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ تَحْقِيقِ الأُخُوَّةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ شَدِيدًا عَلَى الصّحَابَةِ فِي شَأْنِ الاخْتِلاَفِ، فَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلا قَرَأَ آيَةً، سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيّ خِلافَهَا؛ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: كِلاكُمَا مُحْسِنٌ، ثُمَّ قَالَ (1) : «لا تَخْتَلِفُوا؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا» فالنَّبِيُّ نَهَى عَنِ الاخْتِلاَفِ الَّذِى فِيهِ جَحْدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ المخْتَلِفِينَ مَا مَعَ الآخَرِ مِنَ الحَقِّ؛ لأَنَّ كِلاَ القَارِئَيْنِ كَانَ مُحْسِنًا فِيمَا قَرَأَهُ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا، قَالَ تعَالَى: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود 118] فَجَعَلَ اللهُ أَهْلَ الرَّحْمَةِ مُسْتَثْنَيْنِ مِنَ الاخْتِلاَفِ, وَقَوْلُهُ تَعَالَى أَيْضًا: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة 176] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام 159] وَالآيَاتُ مُتَعَدِّدَةٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الفُرْقَةِ وَقَالَ: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون 53] .
كونُوا جميعًَا يا بَنِيَّ إِذا اعتَرى
تأبَى القِداحُ إِذا اجتمعْنَ تكسُّرًا ... خَطْبٌ ولا تتفرقُوا آحادَا (2)
وإِذا افترقْنَ تكسَّرتْ أفرادَا
(1) صحيح): البخارى 2410.
(2) الطغرائى: الحسين بن على الأصبهانى، 455 - 513 هـ، شاعر من الوزراء الكتاب، كان ينعت بالأستاذ.