مَا أَحْوَجَ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ إِلَى هَذَا التَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ فِي مُوَاجَهَةِ تَعَصُّبٍ وَفُجُورٍ وَاضْطِهَادٍ عَالَمِيٍّ ضِدَّ الإِسْلامِ! إِنَّ هَذَا العُضْوَ يَمُوتُ مِنْ جَسَدِ الأُمَّةِ الكَبِيرِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ تَدَاعٍ مِنْ سَائِرِ الأَعْضَاءِ، فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَلَقَدْ أَصَابَنَا دَاءُ الأُمَمِ مِنْ قَبْلِنَا؛ قَسْوَةُ القَلْبِ! بَلْ أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ لاَ يَأْمُرُ إلاَّ بِخَيْرٍ- أَنْ تَصِلَ رَجُلًا مُحِبًّا بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ أَبُوكَ أَيْ: يَمُوتُ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَار عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقٍ ِبِمَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عمَامَتَهُ كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَتَعَجَّبَ ابنُ دِينَار، وَقَالَ: أَصْلَحَكَ اللهُ؛ إِنَّهُم الأَعْرَابُ، وَهُمْ يَرْضَوْنَ بِاليَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ هَذَا كَانَ وُدَّا لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (1) : «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» فَتَعَجَّبَ ابْنُ دِينَارٍ مِنْ صُنْعِ ابنِ عُمَرَ مَعَ الأَعْرَابِيِّ، كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ هَذَا الأَعْرَابِيِّ؟! أَيْ: أَعْطَاهُ أَكْبَرَ مِمَّا تَخَيَّلَهُ ابنُ دِينَارٍ! إِنَّ ابنَ عُمَرَ تَعَلَّمَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ أَبِيهِ الفَارُوقِ كَيْفَ يُعْطِي؟!.
(1) صحيح): مسلم 2552، أبو داود 5143، الترمذى 1903.