فَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ؛ لأَنَّ شُكْرَكَ اللهَ يُسْفِرُ عَنِ الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ فِي كُلِّ مَا تَمْلِكُهُ، وَمَنْ كَفَرَ فَالعَذَابُ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ فِي العَرَبِ؛ فَصَارُوا إِخْوَةً مُتَحَابِّينَ مُتَآلِفِينَ، فَصَفَتْ قُلُوبُهُمْ، وَاتَّصَلَتْ بِخَالِقِهِمْ، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْهِم بِنِعْمَةِ (الأُخُوَّةُ فِي اللهِ) فَبِاللهِ عَلَيْكَ مَنِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ وَعُمَرَ القُرَشِيِّ وَصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ وَبِلاَلٍ الحَبَشِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ وَعَمْرٍو الدّوْسِيِّ؟! وَهُمْ مِنْ أَعْرَاقٍ شَتَّى وَمِنْ بِلاَدٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ إِنَّهُ اللهُ .. فَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُم فَأَخْرَجَهُم مِنْ شَهَوَاتِهِمْ وَالأَغْلالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم وَمِنْ عُبُودِيَّتِهِم لِغَيْرِ رَبِّهِم؛ فَعَلِمُوا أَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَهْدِيهِم وَيَنْصُرُهُم عَلَى أَعْدَائِهِم؛ وَنبِيًّا يَأْخُذُ بِأَيْدِيهِم، وَإِخْوَانًا يَخَافُونَ عَلَيْهِم وَيَشدُّونَ مِنْ أَزْرِهِم وَهُم لَهُم كَالبُنْيَانِ المرْصُوصِ، وَيُحِبُّونَ لَهُم مَا يُحِبُّونَهُ لأَنْفُسِهِم، فَلَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ صَحَابِيٍّ؛ هُمْ جَمِيعًا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: يُفَضِّلُونَ إِخْوَانَهُم عَلَى أَنْفُسِهِم فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر 9] وَبَعْدَ ذَلِكَ أَطْلَقَهُم رَسُولُ اللهِ فِي البِلادِ وَالأَمْصَارِ فَذَهَبُوا وَهُمْ يَحْمِلُونَ حُبَّ اللهِ فِي قُلُوبِهِم وَحُبَّ