فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 109

(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ قَاتِلِهِ) لِيُذَكِّرَ بِأُخُوَّةِ المؤْمِنِينَ حَتَّى فِي مَعْرضِ آيَاتِ القِصَاصِ؛ وَفِي هَذَا تَهْيِيجٌ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالحُبِّ، وَالعَفْوُ فِي الآيَةِ: أَنْ تُقْبَلَ الدِّيَةُ فِي القَتْلِ، وَالتَّخْفِيفُ فِي الآيَةِ: أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ كَانُوا قَبْلَنَا كَانَتِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَلَكِنَّ اللهَ خَفَّفَ بِالدِيَةِ، فَعَلَى القَاتِلِ أدَاؤُهَا دُونَ مُمَاطَلَةٍ أَوْ تَأْخِير، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ (سَعِيدُ بنُ المسَيِّبِ وعَطَاءُ وَالحَسَنُ) : إِنَّ أَهْلَ المقْتُولِ بِالخِيَارِ؛ إِنْ شَاءُوا اقْتَصُّوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ (1) ؛ لِيَنُوبَ عَنْهُ، وَالأَمْرُ فِيهِ سَعَةٌ (2) فَكَانَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ يَأْخُذُونَ بِالَقَتْلِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة 45] أَمَّا أَهْلُ الإِنْجِيلِ فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ دُونَ قَوْدٍ أوْ دِيَةٍ، فَجَمَعَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القِصَاصَ وَالعَفْوَ وَخَصَّهُم بِالدِّيَةِ، فَمَنْ شَاءَ قَتَلَ، وَمَنْ شَاءَ عَفَا، فَالقِصَاصُ عَدْلٌ، وَالعَفْوُ إِحْسَانٌ، وَمَنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، أَلَيْسَ هَذَا الأَمْرُ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ بِالمؤْمِنِين؟! بَلَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب 43] والمسْأَلَةُ فِيهَا سَعَةٌ فِي كُتُبِ الفِقْهِ.

(1) َاتَّفَقَ أَئِمَّةُ الفَتْوَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَحَدٍ حَقَّهُ دُونَ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ نَصبَهُ السُّلْطَانُ.

(2) راجع تفسير القرطبي الجزء الثاني، سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت