مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ المؤْمِنِينَ أَنَّهُ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم، قَالَ اللهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ الكَرِيمَ وَمُمْتَنًّا عَلَيْهِ: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال 63] فَتِلْكَ نَعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، الأُخُوَّةُ وَالمحَبَّةُ فِي اللهِ وَللهِ، فَإِذا مَا حَدَثَ مَا يُعَكِّرُ صَفْوَ هَذِهِ العلاقَةِ فَاعْلَمْ -عِلْمَ اليَقِينِ- أَنَّ الصُّلْحَ بَيْنَ المتَخَاصِمِينَ مِنَ المؤْمِنِينَ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ المؤَهِّلَةِ لِرَحْمَةِ اللهِ، قَالَ اللهُ (: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء 114] وَالنَّجْوَى: الكَلاَمُ الخَفِيُّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَصَاحِبِهِ، فَأَكْثَرُ هَذِهِ المنَاجَاةِ لاَ خَيْرَ فِيهَا إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحِ مَا أَفْسَدَ العَلاقَةَ وَإِزَالَةِ أَسْبَابِ العَدَاوَةِ وَالبَغْضَاءِ، والمعْرُوفُ: كُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ قَالَ اللهُ (بَعْدَهَا فِي نَفْسِ الآيَةِ مُبَيِّنًا ثَوَابَ المصْلِحِ فَقَالَ: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء 114] فَهَذَا هُوَ الثَّوَابُ العَظِيمِ لِلمُصْلِحِينَ، وَقَالَ اللهُ فِي عُمُومِ الأُمُورِكُلِّهَا: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء 128] وَأَمَرَ اللهُ -أَيْضًا- بِالإِصْلاَحِ بَيْنَ المتَقَاتِلِينَ مِنَ المؤْمِنِينَ، فَقَالَ (: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات 9] ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا فِي الآيَةِ مُبِيِّنًا ثَوَابًا عَظِيمًا آخَرَ