فَرَسُولُ اللهِ هُوَ الَّذِي حَثَّنَا عَلَى التّرَاحُمِ فِيمَا بَيْنَنَا، فِعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (1) : «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ (2) ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» وَانْظُرْ إِلَى تَعْبِيرِ النَّبِيِّ فِي الحَدِيثِ: تَرَى، كَأَنَّ هَذَا الأَمْرَ: الرَّحْمَة وَالتَّعَاطُف وَاقِعٌ وَمُحَقَّقٌ؛ وَانْظُرْ إِلَى الكَلِمَاتِ: التَّوَادِّ وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ؛ وَقَدْ صَوَّرَهَا لَنَا رَسُولُ اللهِ -وَهِيَ الأَشْيَاءُ المعْنَوِيَّةُ- فِي مَشْهَدٍ مَادِّيٍّ حِسِّيٍّ جَمِيلٍ؛ لِتَوْضِيحِ المثَلِ لِيَصِلَ مَفْهُومُهُ إِلَى أَذْهَانِنَا بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ؛ فَالمسْلِمُونَ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى لَهُ كُلُّ الأَعْضَاءِ بِالسَّهْرِ وَالحُمَّى، فَأَيْنَ هَذَا التَّشْبِيهُ المؤَثِّرُ مِنْ وَاقِعِ المسْلِمِينَ اليَوْمَ؟! وَيَحْضُرُنِي قَوْلُ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّكَ لأَخِيكَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ (3) ؛ وَلَنْ تُؤَدِّيَ حَقَّ الصُّحْبَةِ إِلاَّ إِذَا قُلْتَ لأَخِيكَ: يَا أَنَا! وَلَقَدْ حَذَّرَنَا المعْصُومُ مِنَ التَّفَرُّقِ فَقَالَ: قَالَ ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ (4) : كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي
(1) صحيح): البخارى 6011، مسلم 2586، أحمد 17891.
(2) التراحم هو أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان، لا بسبب شيء آخر، أما التوادد فهو التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي، وأما التعاطف فهو إعانة بعضهم بعضا كما يعطف عليك الثوب؛ ليقويك.
(3) حرم الله ورسوله مثل دمه وماله وعرضه ... إلخ.
(4) صحيح): أحمد 17282، أبو داود 2628.