وَقَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية 28] وَالسُّؤَالُ هُنَا: هَلْ يَظُنُّ قَاطِعُ الرَّحِمِ أَنَّ اللهَ سَيَصِلُهُ؟! الإِجَابَةُ: لاَ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (1) : «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ (2) فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ، قَالَ أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ (3) قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ» (4) .. أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، مَعْنَى الصِّلَةِ هُنَا: صِلَةُ البِرِّ وَالرَّحْمَةِ وَالمغْفِرَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالمَدَدِ وَالتَّثْبِيتِ وَالرِّعَايَةِ وَالحِفْظِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّهُ
(1) صحيح): البخارى 4832، مسلم 2554، أحمد 7872.
(2) حقو: خصر، قال القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني، ليست بجسم، فهي قرابة ونسب تجمعه رحم واحدة ويتصل بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحمًا، والمعنى لا يتأتى بالقيام والكلام كما في الحديث، ولكن ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة كلام العرب، والمراد: تعظيم شأن واصليها وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم.
(3) عظيم إثم قاطعيها بعقوقهم، ولهذا سمي العقوق عقوقا؛ فالعق هو الشق والقطع، كأنه قطع هذه الرحم المتصلة، أما متعلقة بحقو الرحمن دلالة على المبالغة في الاستجارة؛ فكأنها تشير إلى أن المطلوب أن يحرسها الله ويذب عنها، فهي لاصقة بعرشه لا تنفك عنه.
(4) ومعنى الآية: فهل يتوقع منكم إن أعرضتم عن القرآن وأحكام رب الأنام أن تفسدوا بالمعصية والبغي وسفك الدماء.