لَقَدْ كَانَ العَرَبُ فِي الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى شَذَرَ مَذَرَ؛ أَيْ: مُتَفَرِّقِينَ، لاَ يَجْمَعُهُم جَامِعٌ، وَلاَ تَرْبُطُهُمْ عَاطِفَةٌ، وَلَيْسَ بَيْنَهم قَاسِمٌ مُشْتَرَكٌ؛ يُؤَلِّفُ بَيْنَ قُلُوبِهِم، ذَهَبُوا مَذَاهِبَ شَتَّى، عَبَدُوا آلِهَةً مُتَعَدِّدَةً؛ وَلَمْ يَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا؛ فَتَفَرَّقَتْ قُلُوبُهُم وَأَهْوَاؤُهُم، فَالقَوِيُّ -عِنْدَهُم- هُوَ السَّيِّدُ المكَرَّمُ، وَالضَّعِيفُ -لَدَيْهِم- ذَلِيلٌ مُهَانٌ لاَ قِيمَةَ لَهُ، إِذَا فَعَلَ فِيهِمُ القَوِيُّ فِعْلًا سَيِّئًا لاَ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَلاَ يُؤْخَذُ وَلاَ يُؤَاخَذُ، وَالضَّعِيفُ إِذَا فَعَلَ نَفْسَ الفِعْلِ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ وَيُؤَاخَذُ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُسَاوَاةٌ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ، فَكَانَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ عَلَى العِبَادِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران164] فَأَرْسَى هَذَا المبْدَأَ العَظِيمَ.. المسَاوَاة، فَقَلَبْ الموَازِينَ الدُّنْيَوِيَّةَ عِنْدَهُم؛ وَقَرَّبَهَمْ مِنْ رَبِّ البَرِيَّةِ فَصَارُوا عَلَى هَدْيِ سَيِّدِ البَشَرِيّةِ؛ فَمَلَكُوا زِمَامَ أُمُورِ الدُّنيَا، وَهَاكُم هَذَا الموْقِفَ الَّذِي حَدَثَ فِي العَهْدِ الإِسْلامِيِّ الأَوَّلِ، عِنْدَمَا سَرَقَتِ المرْأَةُ المخْزُومِيَّةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ -وَهِيَ امْرَأَةٌ ذَاتُ حَسَبٍ عَرِيقٍ وَنَسَبٍ شَرِيفٍ- فَتَعَجَّبَ الصّحَابَةُ؛ هَلْ سَيُقِيمُ رَسُولُ اللهِ الحَدَّ عَلَيْهَا وَهِيَ الشَّرِيفَةُ فِي قَوْمِهَا، وَتُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الضَّعِيفِ المهَانِ؟! فَعَنْ عَائِشَةَ