العِقَابُ الأَشَدُّ الَّذِي لاَ تَتَحَمَّلُهُ أَنْتَ فِي هَذَا الأَمْرِ هُوَ الطَّرْدُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ عِقَابُ إِبْلِيسَ: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص77-78] وَعِنْدَمَا أَقْسَمَ إِبْلِيسُ أَنْ يُغْوِيَ بَنِي آدَمَ كُلَّهُمْ؛ لِيَنَالُوا العِقَابَ نَفْسَهُ، فَإِنَّنِي أَرَاكَ الآنَ -يَا قَاطِعَ الأَرْحَامِ- تُقَدِّمُ لإِبْلِيسَ عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ خِدْمَةً عَظِيمَةً قَائِلًا لَهُ: لاَ تُرْهِقْ نَفْسَكَ؛ فَأَنَا قَدْ أَفْسَدْتُ وَقَطَّعْتُ أَرْحَامِي، وَهَا أَنَا ذَا مَعَك شَرِيكٌ فِي اللَّعْنَةِ! قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص82-85] وَمَعْنَى لَعَنَهُمُ اللهُ أَيْ: طَرَدَهُم وَأَبْعَدَهُم عَنْ رَحْمَتِهِ، وَقَدْ أَصَمَّهُم أَيْ: لاَ يَسْمَعُونَ الحَقَّ حَتَّى لَوْ سَمِعُوهُ مَا انْتَفَعُوا بِهِ، وَكَذَا أَعْمَى أَبْصَارَهُم أَيْ: لاَ يَرَوْنَهُ وَلَوْ رَأَوْهُ مَا انْتَفَعُوا بِهِ؛ لأَنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ هُمَا اللذَانِ يُوصِّلانِ الخَيْرَ إِلَى القَلْبِ (1) ؛ فَإِذَا انْسَدَّ الطَّرِيقُ لَمْ يَصِلْ إِلَى القَلْبِ خَيْرٌ قَط وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَالَّذِي لاَ يَفْهَمُ القُرْآنَ وَلاَ يَفْهَمُ سُنَّةَ سَيِّدِ الأَنَامِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَرْحَامِهِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ؛ وَلاَ يُفْسِدْ فِي الأَرْضِ؛ فَكَثْرَةُ الذُّنُوبِ وَالفَسَادِ فِي الأَرْضِ تَمْنَعُ وُصُولَ العِلْمِ وَالخَيْرِ، فَاتَّقِ اللهَ: وَاتَّقُواْ اللّهَ
(1) راجع كتاب: شرح رياض الصالحين لابن العيثمين رحمه الله تعالى.