أن تدلّ عليه دلائل الحكمة، وسمة الفضيلة، وشدّة النفس، وبعد الهمّة، ونفاذ العزيمة، وإحكام خطّة الرأي، وإحراز جانب الخلق الإنسانيّ الكريم"."
"وانظر كيف يكون الإنسان الذي تسع نفسه ما بين الأرض وسمائها، وتسع الإنسانيّة بمعانيها وأسمائها، فهو في صلته بالسماء كأنّه ملك من الأملاك، وفي صلته بالأرض كأنّه فلك من الأفلاك، وما خصّ بتلك الصفات إلاّ ليملأ بها الكون ويعمّه، ولا كان فردًا في أَخلاقه إلاّ لتكونَ من أخلاقه روح الأمّة" [1] .
ولا عجب بعد ذلك أن كان هذا الجمال في الخلقة الذي لا يوصف، والسلامة في البنية أن يتبعهما قوّة نفسيّة وجسميّة لا تبارى، تسخّر في الدعوة إلى دين الله، وتبليغ رسالته، ونشهد آية من ذلك في هذا الموقف المعبّر من أحداث السيرة العطرة:
"كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطّلب بنِ عبد منَاف أشدّ قريش قوّة وبأسًا، فخلا يومًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض شعاب مكّة فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا ركانة! ألا تتّقي الله، وتقبل ما أدعوك إليه.؟! قال: إنّي لو أعلم أنّ الذي تقول حقّ لاتّبعتك، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أفرأيت إن صرعتك، أتعلم أنّ ما أقول حقّ.؟ قال: نعم، قال: فقم حتّى أصارعك، قال: فقام إليه ركانة يصارعه، فلّما بطش به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أضجعه وهو لا يملك من نفسِهِ شيئًا، ثمّ قال: عد يا محمّد، فعاد فصرعه فقال: يا محمّد، والله إنّ هذا للعجب! أتصرعني؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه، إن اتّقيت الله واتّبعت أمري، قال: ما هو.؟ قال: أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني، قال: ادعها، فدعاها، فأقبلت حتّى"
(1) ـ تاريخ آداب العرب 2 291.