فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 596

وقد كانت هيبته - صلى الله عليه وسلم - قوّة للحقّ وسندًا، في وجه زيف الباطل وطغيانه، وبغيه وعدوانه، فقد ثبت في السيرة الشريفة أنّ بعض المشركين في مناسبات مختلفة أرادوا البطش بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فوقفت مهابته - صلى الله عليه وسلم - سدًّا منيعًا في وجههم، وباءوا بالخزي والصغار، والذلّ والعار، واعترف بعضهم بما رأى، وما ألقي في قلبه من الخوف.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ المَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي الحِجْرِ، فَتَعَاقَدُوا بِاللاّتِ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الأُخْرَى، وَنَائِلَةَ وَإِسَافٍ، لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا لَقَدْ قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَتْ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَبْكِي، حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: هَؤُلاءِ المَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاقَدُوا عَلَيْكَ، لَوْ قَدْ رَأَوْكَ لَقَدْ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاّ قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ أَرِينِي وَضُوءًا، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ المَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَا هُوَ ذَا، وَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ، وَسَقَطَتْ أَذْقَانُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَعَقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ، فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ بَصَرًا، وَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ التُّرَابِ، فَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ، ثُمَّ حَصَبَهُمْ بِهَا، فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الحَصَى حَصَاةٌ إِلاّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا) [1] .

فهل عرف الناس أشجعَ منه - صلى الله عليه وسلم - قلبًا.؟! إنّه يُخبَرُ أنّ القومَ يبيّتون له الغدر، ويعزمون على قتله، فيقصدهم في مجتمعهم، ويقف أمامهم بمفردِه، ليس له ظهير سوى ربّه، وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا، فيسقط في

(1) ـ رواه أحمد في المسند برقم 3626.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت