فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 596

وليس كلامه مع قريش ككلامه مع أقيال حضرموت، وملوك اليمن، وعظماء نجد، بل يستعمل لكلّ قبيلة ما استحسنته من الألفاظ، وما انتهجته من طرق البلاغة، ليبيّن للناس ما نزّل إليهم، وليحدّث الناس بما يعلمون.

لقد كان - صلى الله عليه وسلم - أفصح العرب لسانًا، وأوضحهم بيانًا، وأوجزهم لفظًا، وأقواهم حجّةً، قد آتاه الله الحكمة وفصل القول والخطاب، وفَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، وعلّمه ما لم يكن يعلم، كلامه كلّه يصدق عليه أنّه جامع مانع، سهل ممتنع، جزل فصل، لا تكلّف فيه ولا تصنّع، قد عصمه الله عن قول الشعر وقرضه، رحمة بالعباد، كيلا يلتبس عليهم ما لا يلتبس.

وفي ذلكَ يَقُولُ - صلى الله عليه وسلم: (أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ) ، وقال: (أنا أفصح العرب، بيد أنّي من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر) .

وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، قَالَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَلا نَبِيَّ بَعْدِي، أُوتِيتُ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، وَعَلِمْتُ كَمْ خَزَنَةُ النَّارِ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَتُجُوِّزَ بِي، وَعُوفِيتُ وَعُوفِيَتْ أُمَّتِي، فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا مَا دُمْتُ فِيكُمْ، فَإِذَا ذُهِبَ بِي فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، أَحِلُّوا حَلالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ) [1] .

ولا عجب أن يُؤتِيَهُ الله فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ إذ القول البليغ الفصيح أداة نصرة الحقّ وتأييده، ووسيلة الدعوة إلى الله بالحجّة البالغة، والحكمة البيّنة، والموعظة الحسنة، وهل يُتصوَّر أو يُعقَل أو يُقبَل: أن يكون الباطل أقوى حجّةً، وأفصح بيانًا من دعاة الحقّ، الذين اصطفاهم الله لوحيه وتبليغ رسالاته!؟

(1) ـ رواه أحمد في مسند المكثرين برقم 6318، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرٍو - رضي الله عنه - خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ يَوْمًا كَالمُوَدِّعِ فَقَالَ ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت