الكلام، وليس فوقه مقدار إنسانيّ من البلاغة، والتسديد، وبراعة القصد، والمجيء في كلّ ذلك من وراء الغاية.
وإنّ كلامه - صلى الله عليه وسلم - لكما قال الجاحظ:"هو الكلام الذي قلّ عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجَلَّ عن الصَّنعة، ونُزِّه عن التكلف .. استعمل المبسوطَ في موضع البسط، والمقصورَ في موضع القصر، وهَجَر الغريبَ الوحشيَّ، ورغِبَ عن الهجين السُّوقيّ، فلم ينطِقْ إلاّ عن مِيراثِ حكمَةٍ، ولم يتكلَّم إلاّ بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد، ويُسِّرَ بالتوفيق، وهذا الكلامُ الذي ألقَى الله المحبّةَ عليه، وغشَّاهُ بالقَبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبَيْن حُسنِ الإفهام، وقلّة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقِلّةِ حاجة السامع إلى معاوَدته، لم تسقط له كلمة، ولا زَلّت به قَدَم، ولا بارَتْ له حجَّة، ولم يَقُم له خَصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذُّ الخُطَبَ الطِّوال بالكلام القِصير، ولا يَلتمِس إسكاتَ الخصم إلاّ بما يعرفه الخصم، ولا يحتجُّ إلاّ بالصِّدق، ولا يطلب الفَلْج إلاّ بالحق، ولا يستعين بالخِلابة، ولا يستعمل المؤارَبة، ولا يهمِز، ولا يَلْمِز، ولا يُبْطِئُُ، ولا يَعْجَل، ولا يُسْهِب، ولا يَحْصَر، ثم لم يَسْمع الناسُ بكلامٍ قَطّ أعمَّ نفعًا، ولا أصَدَق لفظًا، ولا أعدلَ وزنًا، ولا أجملَ مذهبًا، ولا أكرَمَ مطلبًا، ولا أحسنَ موقعًا، ولا أسهلَ مخرجًا، ولا أفصحَ عن معناه، ولا أبين عن فحواه، من كلامه - صلى الله عليه وسلم - .. ولعلّ بعض من لم يتّسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلم يظنّ أنّا قد تكلّفنا له في الامتداح والتشريف، ومن التزيين ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره، كلاّ، والذي جرّم التزيّد عند العلماء، وقبّح التكلّف عند الحكماء، وبهرج الكذّابين عند الفقهاء، لا يظنّ هذا إلاّ من ضلّ سعيه ..".