فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 596

وقد حاول الرافعيّ استجلاء بعض جوانب الفصاحة النبويّة، واكتشاف بعض أسرارها، على أنّ الإحاطة بذلك ليست في وسع بشر، ويبقى الباب مفتوحًا لكلّ أديب مجتهد، ليدلي بدلوه، يقول رحمه الله:

"أمّا فصاحته - صلى الله عليه وسلم - فهي من السمت الذي لا يؤخذ فيه على حقّه، ولا يَتعلّق بأسبابه متعلّق، فإنّ العرب وإن هذّبوا الكلام وحذقوه، وبالغوا في إحكامه وتجويده، إلاّ أنّ ذلك قد كان منهم عن نظر متقدّم، ورويّة مقصودة، وكان عن تكلّف يُستعان له بأسباب الإجادة التي تسمو إليها الفطرة اللغويّة فيهم، فيشبه أن يكون الكلام مصنوعًا مقدّرًا، على أنّهم مع ذلك لا يسلمون من عيوب الاستكراه والزلل والاضطراب، ومن حذفٍ في موضع إطناب، وإطناب في موضع، ومن كلمة غيرها أليق، ثمّ هم في باب المعاني ليس لهم إلاّ حِكمة التجرِبة، وإلاّ فضل ما يأخذ بعضهم عن بعض، قلّ ذلك أو كثر، والمعاني هي التي تعمر الكلام، وتستتبع ألفاظه، وبحسبها يكون ماؤه ورونقه، وعلى مقدارها، وعلى وجه تأديتها يكون مقدار الرأي فيه، ووجه القطع به".

"بيد أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أفصحَ العرب، على أنّه لا يتكلّفُ القولَ، ولا يقصد إلى تزيينه، ولا يبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة، ولا يجاوز به مقدار الإبلاغ في المعنى الذي يريده، ثمّ لا يعرض له في ذلك سقط، ولا استكراه، ولا تستزلّه الفجاءة، وما يبده من أغراض الكلام، عن الأسلوب الرائع، وعن النمط الغريب، والطريقة المحكمة، بحيث لا يجد النظر إلى كلامه طريقًا، يتصفح منه صاعدًا أو منحدرًا، ثمّ أنت لا تعرف له إلاّ المعاني التي هي إلهام النبوّة، ونتاج الحكمة، وغاية العقل، وما إلى ذلك مما يخرج به"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت