قبل الأسماع، وفي القلوب قبل الأفهام! طوبى لقلب أشرب برد حديثه كوثرًا عذبًا، حتّى عرج على إيقاع الغبطة إلى سدرة المنتهى" [1] ."
أجل، لقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أبلغ العرب قاطبة، وأفصح من نطق بالضاد، وعلّم العباد، ولكنّ هذه الحقيقة البدهيّة تحتاج إلى بسط بيانها، واستشعار حقيقتها، واستجلاء طرف من أسرارها، وقد تحدّث عن بعض حقائقها وأسرارها أديب العربيّة مصطفى صادق الرافعيّ فقال:
"هذه هي البلاغة الإنسانيّة التي سجدت الأفكار لآيتها، وحسرت العقول دون غايتها، لم تصنع، وهي من الإحكام كأنّها مصنوعة، ولم يتكلّف لها، وهي على السهولة بعيدة ممنوعة."
"ألفاظ النبوّة يعمرها قلب متّصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه، فهي إن لم تكن من الوحي الجليّ، ولكنّها جاءت من سبيله .. محكمة الفصول حتّى ليس فيها عروة مفصولة، وكأنّما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلّم، وإنّما هي في سموّها وإجادتها مظهر من بلاغته وفصاحته - صلى الله عليه وسلم - .. إن خرجت في الموعظة قلت: أنين من فؤادٍ مقروح، وإن راعت بالحكمة قلت: صورة بشريّة من الروح .. وهي البلاغة النبويّة، تعرف الحقيقة فيها كأنّها فكر من أفكار الخليقة، وتجيء بالمجاز الغريب، فترى من غرائبه أنّه مجاز في حقيقة، وهي من البيان في إيجازٍ، تتردّد فيه عين البليغ فتعرفه مع إيجاز القرآن فرعين .. على أنّه سواء في سهولة إطماعه، وفي صعوبة امتناعه، إن أخذ أبلغ الناس في ناحيته لم يأخذ بناصيته، وإن أقدم على غير نظرٍ فيه رجع مبصرًا، وإن جرى في معارضته انتهى مقصّرًا" [2] .
(1) ـ نقلًا عن كتاب:"في ظلال الحديث النبويّ"ص 16 للدكتور نور الدين عتر.
(2) ـ إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة، ص 312 باختصار يسير.