بلاغتها، حتّى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله، ومن تأمّل ذلك وسبره، علم ذلك وتحقّقه" [1] ."
ويقول الإمام ابن الأثير في مقدّمة كتابه:"النهاية في غريب الحديث والأثر":"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفصح العرب لسانًا، وأوضحهم بيانًا، وأعذبهم نطقًا، وأسدّهم لفظًا، وأبينهم لهجة، وأقومهم حجّة، وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طرق الصواب، تأييدًا إلهيًّا، ولطفًا سماويًّا، وعناية ربّانيّة، ورعاية روحانيّة، حتّى لقد قال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وسمعه يخاطب وفد بني نهد:"يا رسول الله نحن بنو أب واحد، ونراك تكلّم وفود العرب بما لا نفهم أكثره؟!"، فقال - صلى الله عليه وسلم: (أدّبني ربّي فأحسن تأديبي، وربّيت في بني سعد) ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم، كلاًّ منهم بما يفهمون، ويحادثهم بما يعلمون، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (أمرت أنْ أخاطب الناس على قدر عقولهم) ، فكأنّ الله عزّ وجلّ قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بني أبيه، وجمع فيه من المعارفِ ما تفرّق، ولم يوجد في قاصي العرب ودانيه .." [2] .
ويقول الدكتور عصام قصبجي:"فإذا كان البليغ من يؤلّف بين نور القلب ونور اللسان، فلا يكون ما يقوله كلامًا من الكلام، وإنّما يكون روحًا من الروح، ولا يكون حروفًا تنظم، وإنّما يكون قلوبًا تلهم، فذلكم هو الرسول الأفصح الأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: تكلّم فأوجز، وأشار فأوحى، وكنّى فأوضح، وأومأ فأعلم، ورمز فألهم، وشبّه فأحكم. فليت شعري أين الشعر أم أين السحر من حديث كأنّه تسبيح الفلك، أو ترانيم الوجود، ينساب في الأفهام"
(1) ـ الشفا 1 177.
(2) ـ النهاية في غريب الحديث والأثر 1 4.