يطلب من النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن له به.؟ ولم تمنعه هيبة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - من ذلك.؟ فهلاّ كان ذلك مِنْ غيرِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.؟ من بعض أصحابه، ولو من كبَارهم.؟!
إنّ هذا الطلب المباشر من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يدلّ على شدّة توقّد الغريزة في نفس هذا الشابّ، أوْ على أنّه قد اعتاد في جاهليّته عليه، فهو لا يستطيع عنه فكاكًا .. كما يدلّ على قُرب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه، وأنّهم كانوا يجدون عنده الملاذ الآمن لطرح مشكلاتهم، دون تهيّب ولا تحفّظ ..
لقد أدناهُ منهُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دنوًّا شديدًا، وهذا ما يحمل دلالات متَنوّعة منَ الشفقة والرحمة، إلى المودّة وبثّ الطمأنينة، وإشعار هذا الشابّ بالأنس بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ليكونَ التلقّي عنه على أكمل وجه، وأقوى تأثير .. ثمّ حاوره النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك الحوار العقليّ العاطفيّ، الذي أثمر أطيب النتائج، حتّى قام ذلك الفتى من مجلس النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وليس شيء أبغض إليه من الزنى.
فما أعذب هذا الأسلوب النبويّ وما أرحمه.؟! وما أرقّه وألطفه.؟! فهل عرف العالم كلّه طبيبًا نفسيًّا، ومرشدًا روحيًّا مثل مُحَمّد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.؟ ألا فليتّخذ المؤمنون المتّقون، المحبّون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والدعاة إلى الله، المجتهدون الموفّقون، من هذا الأسلوب منهل تربية، ومنهج عمل، وليعلم العالم كلّه أنّ محمّدًا إن هو إلاّ رسول الله وخاتم النبيّين، ورحمة الله للعالمين.
ومن النماذج الرائعة الدالّة على فصاحته - صلى الله عليه وسلم - وقوّة حجّته، وإفحامه لخصومه: ردّه على أبي سفيان يوم أحد، مع ما أصيب به - صلى الله عليه وسلم - من الأذى وشدّة الجِراح.
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: (إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا