فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 596

أنْ يَقُوْمَ منَ الليل حتّى تتفطَّرَ قدماه، وأن يكونَ ذاكرًا له في جميع أحواله، دائمَ الدعاءِ والضراعةِ للهِ، لا يرجُو غيرهَ، ولا يخشى سواه.

ولقد أعطى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - للعبادة مفهومًا واسعًا، لا يقف بها عند العبادات الخاصّة، من صلاة وصيام، وذكر وتلاوة للقرآن، وإنّما كلّ نشاط إنسانيّ مشروع، يبتغى به وجه الله تعالى، ويكون وفق دين الله ومنهجه، فهو عبادة مُقرّبةٌ إلى الله، وربّما كانت أرجح في ميزان الله تعالى من بعض العبادات الخاصّة النافلة، القاصرة على فاعلها .. إنّه لم يرتض المفهوم السلبيّ الرهبانيّ للعبادة، الذي يجعل الإنسان رهينة ضيقه، وسوء فهمه، فيقطعه عن الحياة والمجتمع، ليعيش وحده، ويموت وحده .. وربّما تسلّلت إلى قلبه ونفسه أمراض خبيثة مهلكة، محبطة للعمل مفسدة، كالعجب والغرور، والإدلال بالعمل، واحتقار الآخرين، كهذا المتألّي على الله أنّه لا يغفر لفلان من الناس، فأحبط الله عمله، وغفر لذلك العاصي، أو كالمغرور بنفسه، الذي يظنّ أنّه يدخل الجنّة بعمله ..

وقد جاء في السنّة ما يثبت هذه الحقيقة ويؤكّدها، من ذلك ما جاء في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ: دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ) قَالَ أَبُو قِلابَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ، أَوْ يَنْفَعُهُمْ اللهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ.؟) [1] .

(1) ـ رواه مسلم في كتاب الزكاة برقم 1660.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت