إنّ معرفة محمّد - صلى الله عليه وسلم - بالله لا تسبقها معرفة في الأوّلين والآخرين، ولا تدانيها .. لأنّها معرفة تنبع من شهود لا يخبو سناه، ولا يغيم ضحاه ..
والمسلم المتأسّي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحسّ أنّ لهذه المعرفة خاصّة تبدو في حديثه - صلى الله عليه وسلم - في كلّ موقف ومناسبة، فهي واضحة صادقة، حارّة نفّاذة، لا غموض فيها ولا افتعال، سواء في حديثه - صلى الله عليه وسلم - عن الله سبحانه، أو في ربط العباد به، وتربيتهم على عبوديّته.
وللكلام الإنسانيّ درجة حرارة معيّنة، يموت دونها، فلا يترك أثرًا، ولا يبلغ هدفًا، وعندما يذكر محمّد - صلى الله عليه وسلم - ربّه راغبًا أو راهبًا يشتدّ النبض في الكلمات المنسابة، وتحتدّ العاطفة في المشاعر الحارّة، فلا يملك قارئ أو سامع إلاّ أن يخشع ويستكين لله ربّ العالمين" [1] ."
وممّا يَدلّ على عظيمِ معرفتِه باللهِ تَعالى ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ) ، وَقَالَ أَبو ذَرٍّ - رضي الله عنه:"وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ" [2] .
وكَانَ - صلى الله عليه وسلم - من هديه إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ أن يفزع إلى ذكر الله: جاء فِي الصّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: (لا إلَهَ إلاّ
(1) ـ"فنّ الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء"الشيخ محمّد الغزاليّ ص 16.
(2) ـ رواه الترمذيّ في كتاب الزهد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم 2234، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.