ذلك لحكم تشريعيّة وتربويّة ودعويّة جليلة، لا مجال لبسْطها هنا، ولكنّنا نُشير إلى طَرفٍ منْها:
1 ـ فمن هذه الحكم أنّ حالَ الفقر أقرَب إلى التحقّق بذلّ العبوديّة والافتقار إلى الله منْ حال الغنى.
2 ـ أنّ التجرّد عن أسباب القوّة الظاهرة، من الغنى وبسطةِ العيش أبلغ في الإعجاز للبشر عندما يرونَ انتصارات النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - المبهرة، على أعدائه في كلّ مَيدان.
3 ـ مواساة الفئة العُظمَى من أمّته، وهي ولاشكّ فئة الفقراء والمحتاجين على مرّ العصور والأجيال، إذ يجدون في أحوال نبيّهم - صلى الله عليه وسلم - ما يُصبّرهم على لأواء الفقر والفاقة، ويدعوهم إلى التأسيّ به - صلى الله عليه وسلم -، ويبثّ في قلوبهم الطمأنينة والرضا عن الله تعالى.
عن الحسن - رضي الله عنه - قال:"خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (والله ما أمسى في آل مُحَمّد صاع من طَعام، وإنّها لتسعة أبيات) والله ما قالها استقلالًا لرزق الله سبحانه وتعالى، ولكن أرادَ أن تتأسّى به أمّته" [1] .
4 ـ الإعلاء منْ شأن الغنى الحقيقيّ الذي عرّفه - صلى الله عليه وسلم - بأنّه غنى النفس، وليس عن كثرة العرض، وأنّه أوْلى بالنظر والاعْتبار مِن جمعِ حُطام الدنيا، والتفاخر بزينتها، والنفس لا تشبع، ولا تقنع.
5 ـ تربية الأمّة تربية عمليّة على الاهتمام بالمقاصد العظيمة التي جاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لتحقيقها في حياة الناس، وحشد الطاقَات والجهود لبلوغها، وتَسخير مَتاع الدنيا لخدْمتها، ورفع البشريّة إلى مستوى التحقّق بهَا، وبيان أنّ هذه المقاصد لا تقتضي بالضرورة أن تكون الأمّة ذات رَغد في العيش، وسعة فِي
(1) ـ رواه الدمياطيّ في السيرة، كما في الأنوار المحمّديّة ص 239.