الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) الأنفال.
وقد أكرم الله تعالى أمّة مُحَمّد - صلى الله عليه وسلم - بشدّةِ التعظيمِ والتوقير للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، والأدب معَه، ومعَ ذلك فهي لم تخرج به عن أشرف وصف له، وهو العبوديّة لله تعالى، كما فعل غيرها من الأمم، وهذا من تكريم الله جلّ وعلا لنبيّه - صلى الله عليه وسلم -، ورفعة قدره عنده.
هذا وقد صحّحَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مفهوم الناس عن الغنى وحقيقته، كيلا يخدعَ الناس بالمظَاهر عن الحقائق، جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) [1] .
فكم منْ فقير ذاتِ اليد، ولكنّه غنيّ القلب، عزيز النفس، بما هُو عليه من تعظيم النعمة، وعفّة النفس، والرضا بما قسم الله له؟!
وكم ممّن لا تحصى أمواله، ولا تُعَدّ مقتنياته، تراه لا تهدأ شكواه ولا تفتر، ولا تشبع نفسه ولا تقنع، ولا يكفّ جشعه عن أيّ مطمع، فهو من خوف الفقر في بؤس وفقر، وشتات أمر.؟!
طرفٌ من الحكمة في اختيار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حال الفقر على الغنى:
لقد اختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حال الفقر والتقلّل من الدنيا والزُّهد فيهَا، مع ما أفاء الله عليه، وخصّه به من خُمْس الغنائِم، وما يأتيه من الفيْء بغَير حرْب أو قِتَال، فكان - صلى الله عليه وسلم - يردّ أكثر ذلك على أصحابه، ويؤثرهم على أهل بيته، فيواسي فقراءهم، ويسدّ حاجة محتاجهم، ويعين غارمهم، ويكرم الوفد القادم عليه، ويتألّف قلب بعض الناس على الإسلام، وأمثلة ذلك لا تحصى .. وكُلُّ
(1) ـ رواه البخاري في كتاب الرقاق باب الغنى غنى النفس برقم 6081 ومسلم في كتاب الزكاة باب لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ برقم 1741.