بعضُ المدّعين أنّ ما تحقّق له مِن انتصارات على أعدائه إنّما هو لِمَا كان عليه من قوّة الملك والسلطان، لا بسبب تأييدِ اللهِ لَه بما خصّه من نبوّة ورسالة، وربّما ادّعى آخرون أنّه جاء بما جاء به ليصل إلى الملك والسلطان، الذي حصل له، ولتكون له الرئاسة على الناس.
والملحظ الثاني: أنّ عظمة شخصيّةِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تتجلّى في مقام العبديّة أكثر، إذ هو عبد نبيّ، وله من الهيبةِ والتعظيم في النفوس ما يغني عن قوّة الملوك وسلطانهم، ويزلزل تيجان الملوك، وتخضعُ له الأكاسرة، ويقفُ على بابه العظماء خاشعين متأدّبين، ويتمنّى العظماءُ والملوك أن يحظَوا بشرفِ خدمته، والمثولِ بين يديه، وهذا هو الإعجاز بشخصيّتِه - صلى الله عليه وسلم - ..
فيتبيّن من ذلكَ أنّ مقامَ العبديّة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد انطوى فيه مَقامُ الملكيّة، وسما عليه، وهذا من غير المألوف في حياة الناس وأوضاعِهم .. وما مقام الملكيّة إلى العبوديّة النبويّة إلاّ كالوهم الخادع، والسرَاب الكاذب ..
ولاشكّ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أعظم من تحقّق بمقام العبوديّة للهُ تعالى، وخير من كملت له مراتبها العليّة، وقد شرّفه الله عزّ وجلّ بهذا الوصف في مناسبات عديدَة من كتابه، منها قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) } الكهف، وقوله سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } الإسراء، وقوله عزّ من قائل: .. إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ