سرّ العظمة الحقيقيّة، التي تتجرّد عن زينة الدنيا وسلطانها، ولكنّها تملك زينة الحقّ وسلطانه، وهيبتَه وتأثيرَه .. فلا يقف أمامها شيء، ولا تَغلبها قوّة ..
هذه الحُجُراتُ تلألأت في جنباتها أنوارُ الوحي صباح مساء، وحطّت على تربتها المباركة أجنحة جبرائيل والملائكة الكرام عليهم السلام آناء الليل وأطراف النهار، ورفرفت حولها هائمة، زائرة لساكنها - صلى الله عليه وسلم -، مسلّمة عليه مباركة .. واشرأبّت إليها قلوب صفوَة الرجال، وتعلّقت بها الأبصارُ .. ووقف على بابها العظماء، يتنافسون في نيل بركاتها، ويلتمسون الحظوة بشرف الخدمة لسيّد الرسل والأنبياء - صلى الله عليه وسلم - ..
هذه الحُجُراتُ شهدت قيام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الليل حتّى تفطّرت قدماه، وشهدت خلوته بالليل مع ربّه .. ومناجاته لربّه ودعاءه، وشهدت حبّه وأشواقه، وتضرّعه وبكاءه، وشهدت حولها حِلقَ العلم والقرآن، ومجالس الذكر ونفحَات الإيمان، وشهدت استقباله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه رجالًا ونساءً، وتذكيرهم ووعظهم، ومجَالسته إيّاهم ومؤانَستهم، وحلّه لمُشكلاتهم في أدقّ شئون حياتهم، وشهدَت مجالس شورَاه مع خيارِ الصحب الكرام .. كما شهدت استقبال الوفود ودعوتهم إلى الله تعالى، بالحكمةِ والموعظة الحسنةِ، ومجادلتهم بالتي هي أحسن ..
هذه الحُجُراتُ المباركة شهدت حياة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الخاصّة، الزاهدة المتواضعة مع نسائه، يخدم نفسه، ويخدم أهله .. يصبر على الجوع، ويطوي أيّامًا، ويطوين معه رضي الله عنهنّ راضيات قانعات، بعد أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، يمرّ عليهنّ الهلال والهلال والهلال، ولا توقد في بيوتهنّ نارٌ .. ليس لهم من طَعام إلاّ الأسودان التمر والماء ..
هذه الحُجُراتُ شهدت أخلاق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الكريمة مع نسائه .. يقدّر مشاعرهنّ، ويرحم ضعفهنّ، ويتلطّف بهنّ، ويداعبهنّ ويطيّب خاطرهنّ،