فهرس الكتاب
وكان - صلى الله عليه وسلم - ربما يأتيه الضيف يريد أن يطعمه، فيرسل إلى زوجاته هل عندكنّ من طعام.؟ فتقسم كلّ واحدة منهنّ أن ليس لديها من طعام، فيأخذ الضيفَ بعضُ أصحابه.
وإنما كان هذا الحال اختيارًا منه - صلى الله عليه وسلم -، فقد خيّره الله تعالى بين أن يكون نبيًّا عبدًا، أو يكون نبيًّا ملكًا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا، وقال: (أجوع يومًا فأصبر، وأشبع يومًا فأشكر) .
وكان أحسن الناس وجهًا، وأظهرهم بشرًا، وأكثرهم تواضعًا، قد أعطاه الله جوامع الكلم، وشوارد الحكم، واختصر له الكلام اختصارًا ..
وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يهوله شيء من شئون الدنيا، إذا رأى ما يعجب منها قال: (اللهمّ لا عيشَ إلاّ عيش الآخرة .. ) ، لا يمدّ عينيه إلى شيء من زينة الدنيا وزهرتها، وكان يقول: (ما لي وللدنيا.؟! ما أنا في الدنيا إلاّ كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح وتركها) .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يلبس ما وجد، ويركب ما تيسّر له من فرس، أو بغلة، أو حمار، أو بعير، ويردف خلفه عبده أو غيره، وكان يمشي راجلًا، حافيًا أو بنعلين أو خفّين، وربما مشى بغير رداء، ولا عمامة ولا قلنسوة.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبّ الطيب، ويأمر أصحابه بحسن المظهر، ويكره لهم الرثاثة، ويكره كلّ رائحة كريهة، ويجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويقبل على جليسه حتّى يرى أن ليس أحد أفضل عنده منه، ويكرم أهل الفضل ويدنيهم، وينزلهم منازلهم، ويعرف للناس أقدارهم، ويتألّف أهل الشرف بالبرّ بهم، ويصل رحمه، ولا ينساهم، غير أنه لا يؤثرهم على من هو أفضل منهم، ويقبل المعذرة، ولا يجفو في وجه أحد، قد وسع الناسَ حلمُه وبرُّه، وفضلُه وكرمُه ..