أَخَذْتُ بِرَاسِ الجَمَلِ، فَأَقْبَلْتُ بِهِ حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ جَلَسْتُ فِي المَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَأَى الجَمَلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ، قَالَ: فَأَيْنَ جَابِرٌ؟ فَدُعِيتُ لَهُ، قَالَ: تَعَالَ أَيْ يَا ابْنَ أَخِي خُذْ بِرَاسِ جَمَلِكَ فَهُوَ لَكَ، قَالَ: فَدَعَا بِلالًا فَقَالَ: اذْهَبْ بِجَابِرٍ فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً، فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً، وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا، قَالَ: فَوَاللهِ مَازَالَ يَنْمِي عِنْدَنَا، وَنَرَى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا، حَتَّى أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ النَّاسُ، يَعْنِي يَوْمَ الحَرَّةِ) [1] .
ومن رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه وبرّه بهم: إقباله على كلّ واحد من جلسائه، وحرصه على راحتهم، واهتمامه بما يقلقهم:
عَنْ جَرِيرٍ - رضي الله عنه - قَالَ:"مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلا رَآنِي إِلاّ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي". وَزَادَ فِي رِواية:"وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا) [2] ."
ومن مظاهر رحمة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه: بُكَاؤُه لشَكْوَى سَعْد بْنِ عُبَادَةَ - رضي الله عنهم: جاء في الحديث الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ ابْنُ عُبَادَةَ - رضي الله عنهم - شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنهم -، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَالَ: قَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بَكَوْا، فَقَالَ: أَلا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ،
(1) ـ رواه أحمد في المسند برقم 14495.
(2) ـ رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة برقم 4523.