المدينة فقال: إنّه بلغني أنّك تريد قتل أبي، فيما بلغَك عَنْه، فإن كنت لابدّ فاعلًا، فمرني فأنا أحمل إِلَيك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها منْ رجل أبرّ بوالده منّي، وَإِنّي أخشى أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخل النار .. فقال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (بل نَترفّق به، ونحسِنُ صُحبتَه ما بقيَ معَنا) .
وجعل بعد ذلك إذا حدّث عبد الله بن أبي بالحديث من أقاويله وفتنه، كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويعنّفونه، فقال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطّاب - رضي الله عنه: (كيفَ ترى يا عمر.؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله، لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته) ، فقال عمر - رضي الله عنه:"قد واللهِ علمتُ لأمرُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أعظم بركة مِنْ أمرِي".
ألا إنّها عظمة الأخلاق النبويّة، وحكمة وحي السماء، وسياسة الدعوة الراشدة، وبعد النظر، ونفاذ البصيرة .. فأين أولئك الذين يزرعون الفتن يمينًا وشمالًا بين إخوانهم المؤمنين، ويشيعون التهم والأحكام الجائرة، ويصنّفون الناس أصنافًا شتّى، بحجّة الغيرة على الإسلام، والدفاع عن حرماته؟!
أين هؤلاء الذينَ يعاملونَ إخوانهم المؤمنين بأسوأَ ممّا يُعامَلُ به المنافقون المخادعون.؟! لأسباب باطلة، ومبرّرات كاذبة، ويناصبونهم العداء والشقاق أكثر ممّا يرى منهم المنافقون الوالغون في تمزيق صفوف الأمّة وخلخلة بنيانها ..
إنّ على هؤلاء أن يصحّحوا فهمهم لدينهم، ويحاسبوا أنفسهم على اندفاعاتهم الرعناء، التي يحسبونها غيرة على دين الله، ودين الله منها براء، وهي ليست إلاّ انتصارًا لأهواء النفس وعللها، ودوافعها العليلة المريبة .. أين هؤلاء من هدي المصطفى الكريم، وخلقه العظيم.؟!