فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِكَ سَجْدَةً، أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ) [1] .
* وكان - صلى الله عليه وسلم - يخفّف الصلاة رحمةً بالأطفال والأمّهات:
عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ) [2] .
فما أرقّ مشاعرَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وما ألطفها.؟! وما أدقّها وهو يراعي مشاعر الأمّ ولهفتها على طفلها، إذ يبكي وهي تصلّي، فيتجوّز في صلاته رحمة بهما ..
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَوَّزَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي صَلاةِ الفَجْرِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ تَجَوَّزْتَ؟ قَالَ: (سَمِعْتُ بُكَاءَ صَبِيٍّ، فَظَنَنْتُ أَنَّ أُمَّهُ مَعَنَا تُصَلِّي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُفْرِغَ لَهُ أُمَّهُ) [3] .
* ومن مظاهر رحمة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالأطفال: الترغيب بالحنوّ على الطفل، وبيان أنّ ذلك من صفات المرأة الخيرة الكريمة: عَن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: (نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْنَاهُ [4] عَلَى طِفْلٍ في صغره، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ) ، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ عليها السلام بَعِيرًا قَطُّ" [5] ."
* وتقبيل الأطفال والحنان عليهم وممازحتهم:
ونماذج ذلك من السيرة العطرة كثيرة، فمن ذلك ما جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ.؟ فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ.!؟) . وفي روايةٍ: مِنْ قَلْبِكَ أو قلوبِكم الرَّحْمَةَ) [6] .
وعَن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ) [7] . فالرحمة بالأطفال هبة الرحمن لخيَار عباده، وعنوان المؤمن الحقّ في جميع علاقاته .. ومن لا يرحم لا يرحم ..
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ، وَكَانَ لَهُ نُغَرٌ [8] يَلْعَبُ بِهِ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ
(1) ـ رواه النسائيّ في باب التطبيق في الصلاة برقم 1129 و أحمد في المسند.
(2) ـ رواه البخاري في كتاب الأذان برقم 668.
(3) ـ رواه أحمد في المسند برقم 13205.
(4) ـ أعطفه وأرحمه.
(5) ـ رواه مسلم في كتاب الفضائل برقم 4281.
(6) ـ رواه البخاري 10 360، ومسلم برقم 2319.
(7) ـ البخاري في كتاب الأدب برقم 5538.
(8) ـ النُّغَير: تصغير النُّغَر، وهو طائر صغير يشبه العصفور أحمر المنقار، أو هو فرخ العصفور والبلبل، كما في المعجم الوسيط.