لَكُمْ لا تَرْمُونَ؟) قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ.؟ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: (ارْمُوا، فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ) [1] .
وبعد؛ فلا عجب أن نرى نبيّ الهدى والرحمة - صلى الله عليه وسلم - يعتني هذه العناية الكبيرة بالطفولة الغضّة، منذ نشأتها الأولى، وقد علّم - صلى الله عليه وسلم - أمّته أنّ التربية إنّما تبدأ منذ نشأة الطفل الأولى، كما في الحديث عَن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟) ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) } الروم [2] .
ولقد أكرم الله تعالى نبيّه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - منذ طفولته بعنايته الخاصّة، وجرّد جسده الشريف من حظّ الشيطان وكيده، فلم يكن للشيطان سبيل إلى قلبه بحال، كما جاء في الحديث عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَأَتَاهُ آتٍ فَأَخَذَهُ، فَشَقَّ صَدْرَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: هَذِهِ نَصِيبُ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَشْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ، فَأَقْبَلَ الصِّبْيَانُ إِلَى ظِئْرِهِ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، قُتِلَ
(1) ـ رواه البخاريّ في كتاب الجهاد والسير برقم 2684.
(2) ـ رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن برقم 4402، ومسلم في كتاب القدر برقم 4803، ومعنى تُنْتَجُ: تولد، والنتاج للبهائم كالولادة للإنسان. والبَهِيمَةُ: كلّ ذات أربع قوائم من دوابّ البرّ والبحر، ما عدا السباع. والجَمْعَاءَ: هي التي لم يذهب من بدنها شيء. والجَدْعَاءَ: هي التي قُطع بعضُ أطرافِها.