فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 596

لمّا توضّأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعلوا يبتدرون وضوءه، فقال: يا عبّاس ما رأيت كالليلة! ولا ملك كسرى وقيصر.!

وفي الصباح غدا به العبّاس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: (ويحك يا أبا سفيان! ألم يأنِ لك أن تعلم أن لا إله إلاّ الله.؟) فقال أبو سفيان: بأبي أنتَ وأمّي! ما أحلمك وأوصلك وأكرمك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنّي شيئًا بعد، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم: ويحك! ألم يأنِ لك أن تعلم أنّي رسول الله.؟ فقال: أمّا هذه فإنّ في النفس منها حتّى الآن شَيئًا.

فقال له العبّاس: ويحك! أسلم، واشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فشهد شهادة الحقّ، وأسلم، فقال العبّاس: إنّ أبا سفيان رجلٌ يحبّ الفخر، فاجعل له شيئًا. فرأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعظيم حكمته، سداد رأيه أن يجعل له خصوصيّة، تتّصل بأمن الناس، وحقن الدماء، ليكون متحمّسًا لفلّ عزيمة الناس عن القتال، فقال - صلى الله عليه وسلم: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمنٌ، ومن دخل بيته فهو آمنٌ) .

وكان من حكمة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يوقع في نفس أبي سفيان الرهبة التامّة من قوّة المسلمين، لينقل الصورة التي يراها لمن وراءه من المشركين، فتثبّط عزائمهم عنْ مواجهتهم، فيؤثرون السلامة على القتال، فقال للعبّاس - رضي الله عنه: (يا عبّاس احبسه عند مضيق الوادي، حتّى تمرّ به جنود الله فيراها) .

ومرّت به كتائب الحقّ واحدة تلو الأخرى، وهو يسأل عنها فيعرّفه بها العبّاس، وكلّما سأل عن كتيبة فأجيب، فيقول: ما لي ولكتيبة كذا.! ثمّ مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء، يحيط به المهاجرون، لا يرى منهم إلاّ الحدق من الحديد، ويحمل الراية الزبير بن العوّام، فقال أبو سفيان: سبحان الله يا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت